تداعيات أزمة أوكرانيا على أمن واستقرار الخليج العربي !

تداعيات أزمة أوكرانيا على أمن واستقرار الخليج العربي !



د. عبدالمجيد الجلاَّل


الحرب الروسية الأوكرانية ، دخلت عامها الثاني ، ولا تتوفر دلائل أو إشارات على قرب انتهائها ، ولكن تداعياتها الإقليمية والدولية صادمة ، فقد أحدثت تغيرات دراماتيكية ، خاصة في أوروبا ، هي الأكثر إثارة ، منذ نهاية الحرب العالمية الثانية ، ما قد يُسهم في تسريع تحول النظام الدولي الراهن ، إلى نحو التعددية القطبية ، وإعادة رسم التحالفات الإقليمية والدولية القائمة حالياً ، بما يواكب هذه المُتغيرات المُتسارعة .
على أية حالٍ ، دول مجلس التعاون الخليجي ، مُلتزمةٌ بالحياد الإيجابي ، وترفض التورط ، في أُتون هذه الحرب ، ودعم طرفٍ على حساب الآخر ، فهي لا تُريد استفزاز الولايات المتحدة ، وحلف الناتو ، والغرب عموماً ، ولا تُريد كذلك ، تحدي روسيا وحلفائها !
وفي حيادها الإيجابي ، تتبنى دول مجلس التعاون الخليجي ، مقولة القائد الجاهلي الحارث بن عباد أيام حرب البسوس ، حين قال ” هذه حرب لا ناقة لي فيها ولا جمل” .
ولم تكتف بهذا الموقف المبدئي ، بل حاولت التوسط بين طرفي الصراع ، لإنهاء هذه الحرب وويلاتها ، ولكن مساعيها باءت بالفشل ، لأنَّ الغرب ، بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية ، قد استل سيف التأجيج ، وتسعير نيران الحرب ، وكذلك روسيا، وأوكرانيا ، بغية تحقيق أهداف غير واقعية !
من أبرز تداعيات هذه الحرب ، تأثيراتها السلبية ، على التحالفات القائمة ، قبيل اندلاع الحرب في أوكرانيا ، ومنها التحالف الخليجي الأمريكي ، وهو احتمال وارد جداً ، إذ تزداد الضغوط الأمريكية والأوروبية ، في محاولةٍ ، لجر دول الخليج إلى المستنقع الأوكراني ، والاصطفاف مع الغرب وأوكرانيا ضد روسيا !
والسؤال المطروح في هذه المرحلة ، عن مدى قدرة دول مجلس التعاون ، على البقاء على الحياد الإيجابي ، أمام هذه الضغوط المُتزايدة ، خاصة ، إذا ما طال زمن هذه الحرب واستعرت نيرانها !
يمكن القول ، هنا ، وبرغم أنَّ دول مجلس التعاون الخليجي ، شريك استراتيجي للغرب، وتحديداً الولايات المتحدة وأوروبا ، إلا أنَّها ستظل ، رغم كل ذلك ، مُلتزمةٌ، تماماً ، بحيادها الإيجابي ، لأنها ببساطة ليس لها إلا ذلك ، إذ عليها التزامات ، تجاه تنفيذ مشاريع رؤاها وأهدافها الاقتصادية الطموحة ، ولن تتحقق بالطريقة المُثلى ، إذا تورطت في هذه الحرب العبثية .
أكثر من ذلك ، هذه الرؤى والأهداف ، تُلزمها بانتهاج سياسة عقلانية ومتوازنة ، لترتيب علاقاتها الإقليمية والدولية ، وعقد شراكات اقتصادية وثقافية ، مع كل دول العالم الفاعلة ، ومنها روسيا والصين ، ومن ثمَّ ، لن يتورطوا في حربٍ ، قد تخلط أوراقهم ، وتؤثر مباشرة ، على الفعل التنموي الجاري اليوم ، بهمم عالية ، وإرادة صلبة .
خلاصة القول ، دول الخليج ، هدفها الأساس ، تعزيز تعاونها الاقتصادي والاستثماري والتقني ، لإنجاح خططها ورؤاها الاقتصادية الطموحة ، وبناء شراكة فعَّالة ، بالاستثمار في مجالات اقتصاد المعرفة ، وبرامج التنمية المُستدامة ، وصناعة الخدمات ، ولن تستمر بهذا الجهد العالي المُقدر، إذا خضعت للضغوط الأمريكية والأوروبية ، التي سوف تصطدم بالتأكيد ، بمبادئ السياسة الخليجية المتوازنة !

عين الوطن