الأرض قد تقضي على المرض المتفشي والحد منه بقدرتها على استغلال المساحات وتحقيق التباعد الاجتماعي وتفكيك الاكتظاظ السكاني ، وإذ تنبه منظمة الصحة العالمية ووزارة الصحة السعودية على أهمية ترك مسافة معينة بين الفرد والآخر ومنع التجمعات والازدحام للحد من تفشي الفيروس، هنا تكمن أهمية الأرض، بالرغم أن علماء البيئة والمهتمين بالمناخ يحرصوا على خلو المساحات للمحافظة على البيئة، إلا أن هذه الجائحة قد تكسر هذه الآمال لتحويل هذه المساحات إلى الاستهلاك البشري لكبح تفشي الوباء.
بالمقابل التكدس يغذي الجائحة، ذكر وزير الصحة (توفيق الربيعة) أن الأحياء السكانية المكتظة وإسكانات العمالة تشكل عاملاً يزيد من خطر الإصابة، ولعل بعض الأماكن التي تشكل عامل آخر لخطر الإصابة هي مجمعات التسوق والتموينات الغذائية ذات الكثافة البشرية العالية ومحدودية المساحات.
العديد من القطاعات الحكومية والخاصة أخذت خطوات عملية بتطبيق مبدأ التباعد الاجتماعي، والتباعد الاجتماعي في ظل الفيروسات المعدية أو العزل الصحي هو مبدأ وتشريع إسلامي وقد ذكر في أحاديث من السيرة النبوية الشريفة، فعَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ رضي الله عنه عنِ النَّبِيِّ ﷺ قَال: ( إذَا سمِعْتُمْ الطَّاعُونَ بِأَرْضٍ، فَلاَ تَدْخُلُوهَا، وَإذَا وقَعَ بِأَرْضٍ، وَأَنْتُمْ فِيهَا، فَلاَ تَخْرُجُوا مِنْهَا) متفقٌ عليهِ.
وعن عبدالله ابنُ عَبَّاسٍ أنَّ عُمَرَ بنَ الخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عنْه، خَرَجَ إلى الشَّأْمِ، حتَّى إذَا كانَ بسَرْغَ لَقِيَهُ أُمَرَاءُ الأجْنَادِ، أبُوعُبَيْدَةَ بنُ الجَرَّاحِ وأَصْحَابُهُ، فأخْبَرُوهُ أنَّ الوَبَاءَ قدْ وقَعَ بأَرْضِ الشَّأْمِ. قَالَ ابنُ عَبَّاسٍ: فَقَالَ عُمَرُ: ادْعُ لي المُهَاجِرِينَ الأوَّلِينَ، فَدَعَاهُمْ فَاسْتَشَارَهُمْ، وأَخْبَرَهُمْ أنَّ الوَبَاءَ قدْ وقَعَ بالشَّأْمِ، فَاخْتَلَفُوا، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: قدْ خَرَجْتَ لأمْرٍ، ولَا نَرَى أنْ تَرْجِعَ عنْه، وقَالَ بَعْضُهُمْ: معكَ بَقِيَّةُ النَّاسِ وأَصْحَابُ رَسولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، ولَا نَرَى أنْ تُقْدِمَهُمْ علَى هذا الوَبَاءِ، فَقَالَ: ارْتَفِعُوا عَنِّي، ثُمَّ قَالَ: ادْعُوا لي الأنْصَارَ، فَدَعَوْتُهُمْ فَاسْتَشَارَهُمْ، فَسَلَكُوا سَبِيلَ المُهَاجِرِينَ، واخْتَلَفُوا كَاخْتِلَافِهِمْ، فَقَالَ: ارْتَفِعُوا عَنِّي، ثُمَّ قَالَ: ادْعُ لي مَن كانَ هَا هُنَا مِن مَشْيَخَةِ قُرَيْشٍ مِن مُهَاجِرَةِ الفَتْحِ، فَدَعَوْتُهُمْ، فَلَمْ يَخْتَلِفْ منهمْ عليه رَجُلَانِ، فَقالوا: نَرَى أنْ تَرْجِعَ بالنَّاسِ ولَا تُقْدِمَهُمْ علَى هذا الوَبَاءِ، فَنَادَى عُمَرُ في النَّاسِ: إنِّي مُصَبِّحٌ علَى ظَهْرٍ فأصْبِحُوا عليه. قَالَ أبُوعُبَيْدَةَ بنُ الجَرَّاحِ: أفِرَارًا مِن قَدَرِ اللَّهِ؟ فَقَالَ عُمَرُ: لو غَيْرُكَ قَالَهَا يا أبَا عُبَيْدَةَ؟ نَعَمْ نَفِرُّ مِن قَدَرِ اللَّهِ إلى قَدَرِ اللَّهِ، أرَأَيْتَ لو كانَ لكَ إبِلٌ هَبَطَتْ وادِيًا له عُدْوَتَانِ، إحْدَاهُما خَصِبَةٌ، والأُخْرَى جَدْبَةٌ، أليسَ إنْ رَعَيْتَ الخَصْبَةَ رَعَيْتَهَا بقَدَرِ اللَّهِ، وإنْ رَعَيْتَ الجَدْبَةَ رَعَيْتَهَا بقَدَرِ اللَّهِ؟ قَالَ: فَجَاءَ عبدُ الرَّحْمَنِ بنُ عَوْفٍ – وكانَ مُتَغَيِّبًا في بَعْضِ حَاجَتِهِ – فَقَالَ: إنَّ عِندِي في هذا عِلْمًا، سَمِعْتُ رَسولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يقولُ: إذَا سَمِعْتُمْ به بأَرْضٍ فلا تَقْدَمُوا عليه، وإذَا وقَعَ بأَرْضٍ وأَنْتُمْ بهَا فلا تَخْرُجُوا فِرَارًا منه قَالَ: فَحَمِدَ اللَّهَ عُمَرُ ثُمَّ انْصَرَفَ.
مات بهذا الوباء (طاعون عمواس (السنة 18هـ / 639م )) الذي تفشى بالشام العديد من الصحابة رضوان الله عليهم ومنهم أبو عبيدة عامر بن الجراح وهو قائد المسلمين بالشام وهو ممن كان في البلد وتوفي بهذا الطاعون، وتوفي فيه أيضًا معاذ بن جبل وجماعة من المسلمين في الشام بهذا الوباء رضي الله عنهم ورحمهم.
في الحالات التي تتفشى فيها الأمراض المعدية وجب حفظ النفس (وهو من الضروريات الخمسة) وتجنب التواكل والتهاون.
ولهذا قال الرسول صل الله عليه وسلم: ( لا يورد ممرض على مصح)، وقال صل الله عليه وسلم: (فر من المجذوم فرارك من الأسد).
ولذلك، الأمراض والأوبئة التي جرت العادة أنها تنتقل عن طريق العدوى، وجب تجنب مخالطة المصابين من باب الوقاية، قال تعالى: (ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة). سورة البقرة.
ولتاريخ العزل الصحي في أوروبا عهد حديث، حيث تذكر مؤسسة مراكز مكافحة الأمراض والوقاية منها الأمريكية: أنه بدأت ممارسة الحجر الصحي، خلال القرن الرابع عشر (تقريباً 748هـ) في محاولة لحماية المدن الساحلية بإيطاليا من وباء الطاعون، فقد كان على السفن القادمة إلى موانئ مدينة البندقية بإيطاليا وهي محملة بالبضائع والعاملين كان عليها أن تنتظر عند المرفأ لمدة 40 يومًا قبل استلام البضائع واستقبال الركاب، وهذه الممارسة ، تسمى الحجر الصحي ، وهي مشتقة من الكلمات الإيطالية((quaranta giorni)) والتي تعني 40 يومًا.
لذلك، التاريخ يشير الى أن التدخل المبكر والسريع والتنظيم الجيد لاحتواء الأزمة يخفف من وطأة الوباء ويقلل من تداعياته.
أحياناً التاريخ يعيد نفسه في بعض الملامح والتداعيات، ويساعد قراءة التاريخ في تفسير الظواهر الحالية والتعامل معها والتنبؤ بالأمراض والأوبئة المستقبلية.
التاريخ يشير إلى أن التدخل بغير الأدوية و العقاقير الطبية قد يكبح من جماح الجائحة المعدية، أو بطريقة أخرى، التباعد بين الأشخاص، وغسل اليدين والالتزام بالإجراءات الوقاية واتباع تعليمات المنظمة الصحية عوامل تسهم بدور حيوي للسيطرة على الأمراض المعدية والحد من التفشي، على الأقل حتى يتوفر العلاج أو اللقاح الفعال لمواجهة الفيروس.
ولأهمية الالتزام بتوصيات الخبراء وأهل الاختصاص العديد من المواقف التاريخية والتي تظهر مخاطر عدم التقيد بتلك التوصيات والتعليمات، ومنها ما حدث بمدينة فيلادلفيا بحلول منتصف سبتمبر بعام 1918، إذ كانت الإنفلونزا الإسبانية تنتشر كالنار في الهشيم من خلال المنشآت العسكرية والبحرية في فيلادلفيا ، لكن مدير الصحة العامة في فيلادلفيا (ويلمر كروسن) أكد لعامة الناس أن الجنود المنكوبين كانوا يعانون فقط من الأنفلونزا الموسمية وستكون تحت السيطرة أي لن يصاب السكان المقيمين بالمدينة، وعندما تم الإبلاغ عن الحالات المدنية القليلة الأولى في 21 سبتمبر ، كان الأطباء المحليون قلقين من أن تكون هذه بداية الوباء ، لكن (كروسين) ومجلسه الطبي قالوا إن فيلادلفيا يمكن أن تقلل من خطر الإصابة بالإنفلونزا من خلال الحفاظ على الدفء، والحفاظ على الأقدام جافة، مع ارتفاع معدلات الإصابة بين سكان المدينة يومًا بعد يوم، رفض (كروسن) إلغاء عَرْضاً استعراضيا كبيرًا كان قد قرر له في 28 سبتمبر بوسط المدينة. كتب بعض المؤرخين أن خبراء الأمراض المعدية حذروا (كروسين) من أن العرض الذي كان من المتوقع أن يجذب مئات الآلاف من سكان المدينة سيكون كتلة بشرية قابلة لتفشي الوباء من خلال التجمع والازدحام، أصر (كروسين) على أن العرض يجب أن يتم، لأنه سيجمع ملايين الدولارات وسيكون عائدًا مالياً جيداً للمدينة، وقلل من خطر انتشار المرض.
في 28 سبتمبر، امتد موكب ضخم من الجنود والكشافة والفرق الموسيقية وحضور العديد من كبار الشخصيات المحلية امتد الموكب وسط مدينة فيلادلفيا وكانت الأرصفة مليئة بآلاف المشاهدين، بعد 72 ساعة فقط من العرض، كانت 31 مستشفى في فيلادلفيا ممتلئة تماماً بالإصابات، ولقي 2600 شخص حتفهم بنهاية الأسبوع.
بالمقابل لذلك، في مدن أمريكية أخرى، مثل سان فرانسيسكو وسياتل فرضت إجراءات أكثر حزماً لمحاولة الحد من تفشي الجائحة لتلك السنة 1918م، منها الفرض على عامة الناس للبس الكمامة في الأماكن العامة، وفي شيكاغو أوصت مديرية الصحة الشرطة بالقبض على كل من يعطس ويكح في أماكن عامة ولم يغطى وجهه، وبعض الولايات تأخرت في تسجيل الاستجابة للجائحة عن قصد حتى لا تظهر ضعف إدارتها للأزمة وعدد الوفيات الفعلية ومنها وسائل إعلامية بواشنطن تأخرت في تسجيل الوفيات والاحصائيات المتعلقة بجائحة الانفلونزا الإسبانية 1918م.
مؤخرا ذكر وزير الصحة السعودي (توفيق الربيعة) أن الدراسات تشير لتجاوز حاجز العشرة آلاف إصابة وقد حدث ذلك فعلاً، حالياً تجاوزنا 11 ألف إصابة.
من أبرز العوامل التي أسهمت في تفشي الفيروسات عالميًا في الآونة الأخيرة: الازدحام، ضعف المناعة الذاتية، أسلوب الحياة الغير صحي، نوع السكن، طبيعة الأرض، التلوث، توفر وسائل النقل وسرعتها أسهمت في انتقال الفيروسات والأوبئة من أقصى الشرق ولكل أنحاء العالم في غضون أيام بل ساعات معدودة.
في الوقت الذي لا يتوفر فيه علاج محدد للفيروس أو لقاح تطعيم للوقاية من المرض، معظم الجهود المبذولة ترتكز على التدخلات الغير دوائية، من العناية الشخصية وتجنب التجمعات واللقاءات وأخذ الاحتياطات اللازمة والحد من التنقل وملامسة الأسطح الخارجية ونحوها، ومن الجهود المبذولة دعم التكاتف والتعاون بين فئات المجتمع ككل والعمل بروح الفريق الواحد والمجتمع الواحد والقرار الواحد لمواجهة تفشي الجائحة الفيروسية إذ الكل بذات المركب وكلنا مسؤول.
التاريخ يعلمنا أن التدخلات السريعة والإجراءات المتعددة في وقت واحد وفي جميع البيئات والقطاعات المختلفة سواء وصل إليها الوباء أو لم يصل كلها تحد من تفشي الفيروسات.
