كان على عجالة من الزَّمن، ودهشة منا؛ قد فاجئتنا الحياة في هذا العام لتقف على كامل الأحلام التي بُنيت بداية العام لتزعزعها، وكأنَّ جائحة مرض فيروس كورونا المستجد مرَّت بعنجهية على روتين الكون لتقلبه رأسًا على عقب، و شمرَّت عن ساعديها لتقطع بكامل قوتها على كل الآلاء ها هنا و هناك حتَّى اصطدمت بشعورنا لنستيقظ، وكُلّ النِّعم التي كنَّا بها بدأت تتزعزع و دون جدوى في نحيبنا؛ من زاوية أخرى ضربتُ بالعصا السحرية عند بئر أصحاب الأحلام الصَّغيرة و المستحيلة لتبدو حقيقة؛ وقد ذاعتْ في الأيام الماضية كثيرًا من الأخبار السَّعيدة، كنجاح طلاب ونقلهم للمرحلة التالية دون اختبار ، و استلام رواتب دون تعب الدوام وغيرها من التسهيلات التي طالت بالبهجة كُلّ الأفراد، و قلبتْ ميزان الحياة ليكون جلوسك في البيت حماية لغيرك، وكيف كانت قوة تمسك العبد بمكان عبادته كالمسجد إخلاص ليصبحَ ابتعاده عبادة يُجازى عليها؛ وغيرها من المستحيلات التي ما كنا نفكر أنَّ يومًا ما قد تحصل، و بابتسامة دون عنوان فقط تحمل عمق كبير إلى أنَّه لم يعد الآن بمقدورك القول أنَّ هناك شيء مستحيل أو غريب!
ولكن على مفترق أمل كانت تُنسج آمال أن تنتهي هذه الجائحة قبل قدوم شهر رمضان، تغفي العيون والقلب يُحاكي الغد، رُبَّما في ذلك الوقت الدَّمعة جامدة في محجرها بين القلق والحزن، ولرُّبما قوبلتْ بالتَّجاهل كي تمرَّ الأيام متمسكين بالدُّعاء من على بُعد ساعات قبل أن يزورنا ذلك الضَّيف الكريم!
شهر رمضان أقبل، وعلى جسر الحجر ومنع التَّجول الذي بدأ بثقل التعايش معهما، أتى الضَّيف المنتظر في كل عام، و بكُلّ جماله رتل قدومه؛ ليحطَّ الطَّمأنينة على منتظريه، وقد يكون هو من كان ينتظر الإنسان ليأتيه بكامل عبوديته بلا لحنٍ أو عبثٍ!
وفي ظل الظُّروف الحالية مع الجائحة التي لم ترضخ للوقوف، أقبل شهر الخير بشكل مختلف لأول مرة في تاريخ المسلمين، و من المعروف أنَّ شهر رمضان رمز التَّجمع والتَّقارب والتَّراحم، اليوم في زمن الكورونا أصبح يحمل شكل استثنائي بتغير مظاهر الحياة عامة وتبديل ما هو مألوف ومميز لأيَّامه وأوقاته، فمن كان يتصور أنَّه سيكون بدون طقوس التَّعبد الجماعية، وسيمرُّ صامتًا من غير تلك الولائم العائلية الكبيرة لوجبة الإفطار وعزائم الأصدقاء و لعب أطفال!
مرَّ يومان وكم كانت مربكة، و بعد هذه الأجواء التي خدشتْ فرحة الصَّائمين إلا أنَّ صدور خبر تحويل الحظر الكلي إلى جزئي أدخل نوعًا من البهجة على الجميع، ولكن على الرّغم من أنَّ الأيَّام ستفقد كُلّ مايميزها من بعض الخصوصية إلَّا أنَّ خلف الغيم الأسود مطرًا!!
كما خلف غيمة الجائحة هناك مساحة جديدة وفرصة قدمتها الحياة على طبق من ذهب؛ لكي يحظى الإنسان ويعيش كفرد بعيدًا عن كُلّ المظاهر التي تخرجه أحيانًا كثيرة عن مبتغاه وأهدافه الحقيقية، فرصة ليعيش تجربة منفردة مع ربه بكامل عبوديته لا يشغله شاغلًا؛ وقد قال سبحانه (فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ * وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ) [الشرح:٧- ٨] وجديرًا بنا أن لا نشغل أنفسنا بإحصاء الأيَّام مع الحجر، وننسى الهدف الحقيقي الذي هيئنا أنفسنا منذ أشهر منتظرين (أَيَّاماً مَّعْدُودَاتٍ) [البقرة: ١٨٤] تذهب دون أن نلتفت لجمالها ونغتنم فرصها؛ ففي سماء هذا الشهر قداسة أمل تائب للغفران، وعبودية أضاءت لتستكين لربها، وصوت مدفع يوقف الذنب كي لا يستبيح طهارة الصَّوم، وغروب شمس يُذكرنا بعداد العمر الذي ينتهي ويزيد، وأصوات مآذن تُنادي بحي على الغفران؛ فهل هناك من مجيب، و على مائدة رُبَّما يكون هناك روح أو اثنتان أفاقتْ، وانتبهت ورُبَّما الجميع!
ورغم كُلّ قسوة بيلوجية الحياة إلَّا أنَّه يبقى هناك مُبْتَغى في قلب كُلّ إنسان يسكنه الإيمان، يخبره بأنَّ هناك رب رحيم يسمع ويُجيب!
فكيف كان استعدادك لشهر الخير رمضان، أم كنت مشغولًا بإحصاء الأيَّام التي ستمكث فيها في البيت وعدد ساعات الحجر؟
