ذات يوم وفي ساعة متأخرة من الليل ، لا أدري مالذي جعل تلك الكلمات تتردد في داخلي بلا انقطاع ، وتجول في خاطري دون توقف . وهي قوله تعالى : (أأعجمي وعربي ) .
تأملتها كثيرًا ، ومكثت في ظلالها طويلًا، لأستشعر معنى ربما يزوروني لأول مره في حياتي ،كنت أتأمل في تلك اللحظات بحيرة وشتات فكر ، كيف يكون الواحد منّا أعجمي وعربي في آن واحد ؟
كيف من الممكن أن تكون الملامح عربية بل والعرق عربي ،لكن العقل أعجمي ، واللسان أعوج ؟
نعم ؛ ينطقون بلسان عربي مبين ،لكنه أعجمي و أعوج في مبادئه وأفكاره وقيمه ،مع أولئك الأشخاص نشعر وكأننا في غربة حقيقية، غربة دينية ، وغربة فكرية ، وغربة قيمية ، بل وغربة في كل شيء ،فلا الهوية واحدة ، ولا المبادئ متشابهه .
والعجيب أننا برغم ذلك كله نتشابه ،بل بيننا قواسم كثيرة مشتركة ،فلقد نشأنا في ذات البيئة وفي ذات المجتمع ،وأكملنا مراحلنا التعليمية سويًا، ولكننا أصبحنا نختلف شكلًا ومضمونًا.
أتعجب وعجبي لاينقطع ، فكيف لمسلم نشأ في ظلال التوحيد ، وربوع الحق، أن يترك النور الذي بين يديه ليأخذ قبسًا من ظلام الكفر والنفاق ،كيف لمسلم ارتوى من منبع الهدى ، و الهداية أن ينادي بحرية الفكر ، وبحرية المعتقد ، وبحرية الدين ، بل وحتى بحرية الأخلاق والمبادئ والقيم.
نعم ؛هذا هو حال من ترك لنفسه العنان فأخذ يتلقف أفكار مشبوهة ، ومعتقدات باطلة ، يستمع لكل زاعق وناعق ، ويقرأ لكل من هب ودب ، فصادف ذلك كله عقلًا وقلبًا خاليًا فتمكنا .
ليته اكتفى بأخذ النافع من تلك العجمى من علم وحضارة ومجد، لكنه أخذ الزبد وجلب كل بلاء ، فأصبح كل مايحمله غثاء كغثاء السيل ، وهباءة في صحراء التيه ، لينسلخ من دينه وهويته وقيمه ، وليلبس لبوس العجمى النتن، و يتكأ على مبادئها المقيته .
إن مسؤوليتنا كبيرة وعظيمة أمام أبنائنا وأمام الأجيال القادمة، حيث تكمن في تحصينهم بالعلم الشرعي ،وبالفكر الإسلامي الأصيل ، وبأخلاق وقيم المجتمع المسلم ، بل وبفتح الحوارات الهادئة الواعية التي تحتويهم ، لتكون درعًا متينًا لهم بعد الله فتقيهم من كل تلك الأفكار الهشة ، والشعارات المضللة، والأخلاق المنحلة .
وحسبي أن نتقي شر تلك الليالي القادمة وسوءها باللجأ إلى الله أن يعصمنا من الفتن ماظهر منها ومابطن ، وأن يثبتنا على مايرضيه حتى نلقاه .


الكاتبه كتاباتها أكثر من رائعة ومشوقة تأسرك كلماتها وتشعرك بالراحة ، زادها الله علماً وحفظها من كل شر
يامقلب القلوب ثبت قلوبنا على دينك
سلمت أناملك يامبدعة
بارك الله فيك ونفع بك