كانت الورقة مطروحة أمامي، لا أجد كلاماً أكتبه، ولا حدثاً أتذكره، لا أظفر بشيء حتى لو كان تافهاً، أمسكتُ القلم كثيراً، وشبِعتُ في الكتب والمجلات من حولي تحديقاً، رأيتُ حينئذٍ الخروج إلى الشارع، لعلّ فيه مشهداً يروقُ لي، أو حادثاً أستطيعُ تسطيره، ففوجئت فور خروجي بأنه لا يوجد ثم شخص ماشياً أو راكباً، حتى لم أظفر بشخص جالسٍ، لم يكن الأمر طبيعياً، كأنّ الناس قد اختفوا أو نزلت بهم نازلة، فدعوتُ ربي أنْ يكون الشأن خيراً، ما هذا؟ اختفى المارة من المرور، فلم يعد الشارع مزدحماً كعادته، أو الصوت مزعجاً كحالته، ها قدْ صارتْ المدينة الصاخبة -التي توصف بأنّ ليلها لا يختلف عن نهارها- خالية تماماً، أشبه ما تكون بمدينةٍ يسكنها الأشباح، فعدتُ لنفسي وتذكرتُ أنّ ثمّ حظراً فرضته السلطات للحدّ من انتشار فيروس “كورونا”، أجل منعنا هذا الفيروس من كلّ شيء حتى متعة التخيل ومشاهدة الآخر، أو هواية التنقل بين أحياء المدينة في آخر الليل، فما أجمل المدن في ليلها! وإنّ لحظةً كهذه تقع لأي شخصٍ فأنسب وصفٍ لها أنْ تصفها بأنّها عقيمة، فقد مرت عليّ سُويعة وأنا مقسم الفكر منتشر الروية، أنظر تارة فيما بين يديّ، وأخرى إلى الشارع حيث الهواء العليل الذي ينقلك من عالم غير عالمك في لطفٍ ساحرٍ أخاذ، ويكفيني الهواء الطلق بكلّ ما يحمله من أنس واستئناس، لم أرَ إلّا حارساً واقفاً على باب العمارة ممسكاً بهاتفه، ضاحكاً ضحكات غريبة متفرقة، أسند ظهره إلى الحائط ينتظر عودة زميله في الصباح حتى يستأنف جهده الشاق الموصول، ويشعر هو بالراحة لمدة ساعات محددة حتى يعود مرة ثانية، وهكذا تدور حياتهما في تعب وجهد متواصلين، أعود إلى ضحكاته التي أيقنتُ أنّه ما يريد منها إلا تسلية نفسه، وذهاب وقته، لا شيء غيره، فهو يعدّ كل لحظة، وينتظر بفارغ صبره متى ينتهي من هذا العمل الشاق، يا الله كم ساعة يقضيها هذا الحارس وهو يبثّ شكواه من طول انتظاره، وكم لوعة ثارت في صدره من حنينه إلى أهله وولده في مثل هذا الوقت المتأخر ليلاً، وكم حديث دار في نفسه وهو يتكلف الصبر الجميل للحصول على لقمة عيشه وما يسد حاجته، وفي الزاوية الأخرى كم من نعمٍ كثيرة أسبغها الله علينا، فحين ترى هؤلاء الكادحين تبكي حالهم، وتتذكر أنّ لنا إخواناً في الإنسانية يقاسون في حياتهم أضعاف ما نقاسيه نحن، فنزداد شكراً على نعمه، خلصتُ بعد هذه السويعة التي قضيتها متفكراً أنْ أكتبَ عن اللحظات البطيئة عند الناس، أعني لحظات الانتظار، فكان ماّ سيكونُ من كتابةٍ لاحقةٍ.
لحظة عقيمة
المشاهدات : 191
التعليقات: 0
