كنت في السادسة حينما كنت أسلك السلم الأسمنتي الطويل خلسةً كي لا يراني أحد فيما أمعن النظر فيها وهي منحنية بخصلاتها البنية المتدلية فوق مجموعة أوراق تكتب في وسط غرفة أحالها الورق بياضاً، لم تكن تُرى أرضية الغرفة أبداً فورق سمية بنت جيراننا دوماً تحتاجه في متناول نظرها. أشاهدها تكتب وتتمتم وهي مغضمة عينيها تعد على أصابعها أشياءً لا أدريها، كلما أصابني الحظ وتسللت للأعلى، يتردد في رأسي صوت نساء الحي عنها: ( سمية بس تدرس… ماتخلص دراسة… كلش شاطرة… تحب الدراسة… أمها ماتلحق لها على ورق حتى صارت تجيب لها بقايا الأوراق السليمة من المدرسة الابتدائية..) تأتيني الأصوات الآن بموازاة صورتها الرمادية كفيلم سينمائي قديم وأشعة الشمس قد انعكست على بقعتها فأحالت نصفها مشع والنصف القريب من الورق رمادي من تأثير الظل .
يدور في عقلي الصغير: ماتفعله سمية أشبه بمعجزة
لكنني سأصبح مثل سمية وستتحدث عني جميع نسوة الحي.
يدور الآن في عقلي: كم هو الفرق بين رؤية الأمر عن خوضه! وأين نساء الحي الآن لا أسمعهن يتحدثن عن أن الكتب قد ابتلعت فتاة في مقتبل العمر !
وكم مضى من وقت وأنا أسيرة حلم مثل سراب!
لأن الحلم قيدٌ أيضاً..
ونحن مقيدون بأحلامنا و بكل فكرة وأمل وضعناها في أنفسنا أولاً ناهيك عن من ليس لنا عليهم من سلطان.
تخنق الأحلام أحياناً عفويتنا وانسياب الأيام. فكم حاولت إنهاء حياتي حينما هددت الظروف دراستي وأنني ربما لن أُصبح النسخة الأخرى من سمية أو ربما سأدرس تخصصاً يمنحني وقتاً أكثر لتغيير نمط حواجبي أو تضييع الوقت في مطاردة الفتيان أو… ما لن أذكره الآن كي لا يسجل هذا النص ستة أهداف في ملعب بقية التخصصات. فاحترام الكل واجب لكنني لم أكن يوماً لأرضى بكوني أقل من أن تأكل كتب الطب جُل عمري.
