روى عبدالرحمن بن عمرو السلمي حديث صحيح صححه الألباني رحمهم الله جميعا فقال:
أتينا العرباضَ بنِ ساريةَ، وهو ممن نزل فيه قول الله تعالى: (ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم قلت لا أجد ما أحملكم عليه) ، قال عبدالرحمن : فسلَّمنا، وقلنا : أتيناك ؛ زائرين، وعائدين، ومقتبسِين . فقال العرباضُ بن سارية : صلى بنا رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ذاتَ يومٍ، ثم أقبل علينا، فوعظنا موعظةً بليغةً، ذرفت منها العيون، ووجِلت منها القلوبُ . فقال قائلٌ : يا رسولَ اللهِ ! كأن هذه موعظةُ مُودِّعٍ، فماذا تعهد إلينا ؟ فقال : أوصيكم بتقوى اللهِ والسمعِ والطاعةِ وإن عبدًا حبشيًّا، فإنه من يعِشْ منكم بعدي فسيرى اختلافًا كثيرًا، فعليكم بسنتي وسنةِ الخلفاءِ المهديّين الراشدين تمسّكوا بها، وعَضّوا عليها بالنواجذِ، وإياكم ومحدثاتِ الأمورِ فإنَّ كلَّ محدثةٍ بدعةٌ، وكلَّ بدعةٍ ضلالةٌ.
ان ربنا عظيم كريم رحيم و ان رسولنا ﷺ عظيم رؤوف رحيم و وإن صحابته عظماء فقد نقلوا لنا السير والاحداث بكل امانة ان علماءنا عظماء فقد اقتبسوا من نور العظماء فأصبحوا عظماء و نحن نقتبس من نور علمائنا و بذلك سنكون عظماء وسوف نبني اجيالا عظماء و يدوم الخير والنور الى يوم القيامة أن شاء الله تحقيقا لا تعليقا.
اخي المسلم:
ليس لدى المسلم أي مفاجآت ابدا فقد بين لنا ديننا الحنيف ما كان و ما سيكون الى يوم القيامة:
اخي المنصف :
ان الله رزقنا بدولة ترفع رايةَ التوحيد و تحكم بالشريعة السمحاء و تتبنى القضايا الاسلامية وعلى رأسها قضية المسجد الاقصى و تدافع عن الحرمين الشريفين و تخدم ضيوف الرحمن و تعتني بكتاب الله طباعة و نشرا وتحكيما و تعتني بسنة محمد ﷺ و تبذل الغالي في خدمة الدين والمواطن والمسلمين و الاستقرار في العالم وها هي تحارب الشرك والبدعة و الظلم و المفسدين في كل ميدان و حسنات هذه الدولة لا يمكن عدها و حصرها و يكفينا فقط نتيجة واحدة نتجت عن العدل والحكم بالشرع والايمان وهي : الامن ورغد العيش الذي نعيشه .
قال الله تعالى:
﴿ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ ( الانعام ٨٢
اننا و دولتنا الرشيدة مقبلون على زمن متقلب مفاجآته كثيرة واحداثه كبيرة و فتنه محيرة لا تنتهي كما اخبرنا بذلك الحبيب محمد ﷺ ( انه من يعش منكم فسيرى اختلافًا كثيرًا ) ، وان مما يثلج الصدر ان دولتنا الرشيدة لا تخطو خطوة واحدة ولا تتخذ قرارا له صلة بالدين الا بعد عرضه على علماء الشريعة و علماء الاجتماع والمتخصصون في كل علم له علاقة ثم تدرس ايجابياته وسلبياته في الحاضر والمستقبل ثم يصدر به قرارا ، وهذا فضل من الله ومنة تتميز به هذه الدولة حفظها الله.
اخي الحكيم :
هناك امثلة لا حصر لها على الخطوات المثالية التي يتبعها متخذ القرار في دولتنا المباركة ، وآخرها قرار اقتصار مكبرات الصوت على الاذان والاقامة ، وكما سمعنا وشاهدنا ، كيف استغله العدو في النيل منا في هذه الدولة المثالية و كيف كانت ردود افعال الناس تجاه القرار بين مؤيد و معارض و بين فرح وحزين، والاختلاف وارد لا محالة و لكن الاهم في الامر كيف نضبط ردود افعالنا عند التجديد او التغيير سواء مع ما يوافقنا او لا يوافقنا و هذا هو سبب موضوع هذه الخطبة التي عنوانها:
ردود الافعال الرشيدة تجاه الأحداث الجديدة.
قال الله تعالى في سورة النساء:
(فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (65)
اخي الكريم:
لقد اتخذ معالي وزير الشؤون الإسلامية والاوقاف قرارا باقتصار استخدام مكبرات الصوت على الاذان والاقامة بناء على فتوى صريحة من علماء هذه البلاد و علماء المسلمين.
و علينا نحن المؤمنون المحبون المخلصون لديننا ثم لحكامنا ووطننا ، اذا اتخذ قرارٌ بناءً على فتوى من علماء الامة ان نسلم بذلك ولو كان ضد رغباتنا و قناعاتنا ، و لنا في صحابة نبينا محمد ﷺ اسوة حسنة فقد كان كبارُ الصحابة يختلفون وهذه طبيعة بشرية و لكنهم اذا قيل لهم قال الله و قال رسوله كانوا وقافين مستسلمين رضي الله عنهم و أرضاهم.
و هكذا يجب ان نكون.
ايها الماجد :
قبل ايام دخلت المسجد خلال صلاة جهرية فاذا بالامام يصلي في الركعة الثانية ، واذا به يصلي بدون مكبر و اقتربت منه لتشغيل المكبر ضانا انه نسي تشغيله ، لكن اقترب لحظة الركوع فكبرت وصليت ثم سلم و اتممت صلاتي ثم سلمت و هممت ان اعاتب الامام فسمعت البعض يتحدثون عن قرار المكبرات .
فصدمت و من عادتي عند المفاجآت ان اصمت ثم اتأكد من الخبر فان تأكد مارست بشريتي فرحا او حزنا ثم ابحث في الامر في القرآن والسنة و اقوال العلماء ثم اتخذ قرارا بردة الفعل المناسبة.
وفعلا هذا ما حدث فقد اطلعت عبر وسائل التواصل الاجتماعي على الخبر و تأكد لدي قرار اقتصار استخدام مكبرات الصوت على الاذان والاقامة ، فبكيت وانهمر دمعي بغزارة و عزلت نفسي و لم اكلم احدا لساعات ثم استرجعت وتعوذت بالله من الشيطان الرجيم ثم استغفرت وحوقلت ثم رجعت لكتب العلم و ما قال اهل العلم في مثل هذا الحدث و ما ردة الفعل المناسبة؟ و اجتهدت كثيرا لاضع جهدي بين ايديكم فان اصبت فمن الله و ان اخطأت فمن نفسي الامارة بالسوء ومن الشيطان و لقد وجدت ان افضل ردة فعل رشيدة عند المتغيرات الجديدة على النحو التالي:
أولا : وجدت ان علماء الاجتماع يرون ان الانسان يمر باربع مراحل عندما يحدث تغييرا جديدا مصدره البيئة:
1. مرحلة الرفض
2. مرحلة التجربة
3. مرحلة الاستبصار (دراسة الايجابيات والسلبيات)
4. مرحلة القبول او الرفض الرشيد
و بناء عليه فان افضل ردة فعل رشيدة للفرد عندما يحدث تغييرا في البيئة المحيطة كما يلي:
1. استقبل الخبر بهدوء تام ولا تفرح ولا تحزن فان كان الخبر مفرحا فابتسم و ان كان الخبر محزنا فأطبق شفتيك و لا تتكلم ببنت شفه و جامل صاحب الخبر و لا تصدق ولا تكذب.
2. تبين من صحة الخبر من المصادر الموثوقة
3. مارس بشريتك الشعورية فرحا او حزنا او بكاء
4. اصمت زمنا كافيا .
5. ابحث بنفسك عن مدى صحة التغيير او خطئه ان كنت مؤهلا للبحث او اسأل العلماء المتخصصون.
قال الله تعالى ( وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلا رِجَالا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ * بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ) النحل آية ٤٣ و ٤٤
6. ان كان التغيير صحيحا موافقا للدين والعلم والفطرة و العرف الاجتماعي القويم والقوانين والأنظمة والتشريعات السليمة فعليك ان تقبل به فورا وان كان لا يوافق رغبتك او يتعارض مع مصالحك
7. ان كان التغييرُ خطأً فان عليك الهدوء التام ثم محاولة التغيير بالطرق التي علمنا بها ديننا الحنيف
اخواني :
لقد جاءت النصوص الشرعية من الكتاب والسنة موضحة رد الفعل الرشيد أوضح بيان. يقول الله سبحانه و تعالى: لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا [البقرة: 286].
ويقول تعالى: فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ [التغابن: 16].
ويقول تعالى: يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ [البقرة: 185].
عن أبي هريرة عبدالرحمن بن صخرٍ رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((ما نهيتُكم عنه فاجتنبوه، وما أمرتكم به فَأْتُوا منه ما استطعتم؛ فإنما أهلك الذين من قبلكم كثرةُ مسائلهم، واختلافُهم على أنبيائهم))؛ رواه البخاري ومسلمٌ.
فهذه النصوص الشرعية تبين بوضوح أن الإنسان لا يكلف فوق طاقته في أي أمر من أمور الشرع، وما الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلا جزء من أوامر الشرع.
ومدار هذا على حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي رواه ابو سعيد الخدري الذي يقول فيه : قال النبي محمد ﷺ :
((من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان))
8. الاجراءات العملية هنا في دولتنا الرشيدة ان تتقدم عبر القنوات الرسمية و تطالب بتغيير الخطأ او المنكر بكل رقي و محبة و رحمة و بالحجج و الادلة الكافية و جميع المسؤولين مكلفون من قبل خادم الحرمين باستقبال المواطنين و السماع منهم و التفاعل مع قضاياهم الخاصة و العامة و هنا تنبيه هام جدا جدا
اياك اياك ان تتفاعل مع اي جهة تنال من نظام وطنك او حكامه او تشكك في صحة قراراته او تشق عصا الوحدة .
9. يجب علينا ان نستعين دائما بالدعاء المستمر للحكام والوطن و علينا بالاستغفار و الصدقة واعمال البر و قول لا حول ولا قوة الا بالله .
اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا و زدنا علما
رب اجعل هذا البلد آمنا و سائر بلاد المسلمين
و صلى الله وسلم على نبينا محمد
