في ظل الأحداث الراهنة إثر وباء كورونا والإجراءات الاحترازية التي تُشدد عليها الدولة يحدُث أن تنقسم المجتمعات في استقبال هذا الحدث وإجراءاته إلى فِرَق، فمنهم من يشعر بالهلع طيلة الوقت ويترقب الجديد وهذا أمر مشروع ووارد الحدوث لدى الكثير من الناس إلى الحد الذي يُفقدهم القدرة على التفكير في أي أمر آخر وعائد بشكل كُلي على طريقة استيعابهم للأحداث وتفاعلهم النفسي تجاهها، ومنهم من يستجيب للأحداث وكواليسها وللقلق المسيطر على المكان ولكن لا يتوانى عن إِعمال العقل بشأن المستقبل ويشحن في نفسه الأفكار المُضادة لفكرة الهلع وحدها، نجد الكثرة من الناس ولله الحمد تملك الوعي الكافي لتسيطر على توازنها وتوازن من حولها، بطريقة ليست مُغالية وليست مفرطة، باعتدال متعقل يحمل بين طياته المنفعة والسلوكيات التي تضمن الانتفاع من أزمة سوداء كهذه…
فكيف إذًا يمكن أن نُخلّق من هذه الأزمة مِنحة لذواتنا ولمن حولنا بعيدًا عما تفرضه علينا من تجمّد وانكماش حتى فيما بيننا وبين ذواتنا في كل مسلك؟
يمكننا أن نفترض أن هذه العزلة الإجبارية استراحة مُحارب لم يُمنح لحظات كافية لنفسه ولا للتفكير بطريقة حقيقية توجب التنفيذ فقط ولا تحتمل التسويف مثلما اضطر دائمًا أثناء انشغاله وسعيه المتواصل!
نعم هي عُزلة إجبارية مخيفة لكنها مُلهمة وقاسية بمنفعة في ذات الوقت، يبني فيها الواحد منا اتصالًا تقوده هذه الأزمة في جميع شؤونه الخاصة والعامة، استراحة الهدف منها ليست السلامة فحسب بل التفتيش عن كل ثغرة فينا وردمها بالنافع،
وكأن الوقت ينفد منا، كأننا نغتسل بروية بعد سباقاتنا في كل بقعة لطختنا، وكأننا ننخُل أنفسنا بحرص
خيفة أن نلقى الله بعمل لا يليق، وحرصًا على التفتيش فينا عن شيء لا يشبه جوهرنا الطيب فنتفاداه بكل الطرق ونتجدد، عُزلة النقش على كل هذا الفراغ بالعبادات التي تُرٍكت سهوًا ونحن نلحق بالدنيا ونُفرِط في السجال والسباق ونلهث ونجري ونسقط ونُعاود الكرّة وحين موعدنا للقاء الله في عبادة ما، نلقاه منهكين، شاردين تمضُغنا الأفكار نحو الدنيا،
عُزلة الأزمة هذه يجب أن “نبني فيها الفرص”
ولا نتمادى في تصييرها عُزلة باهتة وسوداء بحق وكأننا فيها محض أجساد تتحيّن هلاكها!
لا يجب أن نهمش الخوف ونتاج هذه الأزمة، كما لا يصلح أن ننكمش دون أن نسعى بنية التجديد في صالح ذواتنا ومجتمعاتنا ودنيانا وآخرتنا، فمن يدري قد تكون هذه الاستراحة الأخيرة!
قد تكون عُزلة مُراد بها العودة إلى الله وابتغاء العفو من الله! فلمَ لا نكون أولو الألباب المتيقظين لكل حوادث الكون، المُقبلين على الله في الضراء والسرّاء، الخائفين من أن يشملهم غضب قبل أن تتمكن أفئدتهم من التجدد طمعًا برضا الله عوضًا عن كوننا غافلين أو حُفاة من كل شيء ينفعنا…
وعلى الصعيد الدنيوي أيضًا لحياتنا الفوضوية علينا حق، يعتري صِلاتنا الأسرية خمول، يتفشى فيما بيننا الصمت، مقصرين تارةً ومُعرضين دون قصد تارةً أخرى، متهدّنين عن الإنجاز الذي يشمل النفس والجسد والعقل والعائلة والمجتمع على حد سواء، لم نستطع إلا أن نُسقِط ركيزة مقابل الظفر بأخرى، فوقعنا في فخ الشعور بالنقص حتى ونحن نتلقى الامتيازات..
احتياج كلٍ منا كثيف وشاسع، لدى معظمنا جوانب عديدة لم يتمكن من إشباعها بطريقة صحيحة والأسباب تتعدد، لدى الكثرة منا عجز في جانب يطفح عليه جانب آخر، بشأن الفكر والعلم والعمل والدين والثقافة والوعي والمبادئ والهوايات والعلاقات الإنسانية والتفاعلات
…. الخ
اليوم كُلٌ منا أَعرَف بما ينقصه، وأكثر دراية بما يتوجب عليه فعله في ظل هذه العُزلة والذي يضمن له التجدد والظفر بمنفعة يلمسها هو ومن حوله بعد انتهاء هذه العزلة بإذن الله، لا يمكن أن نُعمم استراتيجيات معينة لنسلكها جميعًا في ذات الوقت، لكن يمكننا ككل أن نضخ الفرص من هذه الأزمة ونُصيّرها في صالحنا على الدوام، دون أن نَهلَك في مطاردة التكهنات بشأنها،
دونما حِراك نافع لنا وتتجمد في أرواحنا فضيلة السعي لاقتناص الفرص على الصعيد الديني والدنيوي على حد سواء، من المُنهِك والضار أن يتقافز كثرتنا في المنصات الافتراضية يبث الهلع ويجلد الذوات والأوطان ويندب أيامنا طيلة هذه العزلة دون حِراك حقيقي يُحيي رميم الروح والعقل والنفس كلها..
فتشوا عما ينقصكم، فتشوا عن التقصير الذي بدى جليًا منكم ولم تجدوا الحيلة لترميمه وإن كان غير مقصود،
لا تأمنوا بطء الوقت، وكل هذا الفراغ قد يزول في غمضة عين، ولا يُفرّط أحدكم في فرصته واستراحته هذه لإدارة حياته بشكل موزون ومُتقن لم نكن نستطيعه ونحن نركض في حياتنا ونلتحق بأعمالنا ومشاوير أقدارنا..
في هذه الأزمة ليس مطلوب منك أن تبني توقعات مخيفة إلى جانب الأزمة، ولا أن تُسقِط بمناظراتك النتائج في المنصات، لا أحد يبحث عن حقائق مصيرية لديك ولن يُطالبك أحد باختراع الحلول بشأنها،
هذه العُزلة إجراء احترازي لك ولسلامتك، إضافةً إلى الالتزام بحذافيرها جنّدها لتصنع منك شخصًا أفضل، وحين ينتهي كل ذلك بإذن الله ستستمر عجلة العمل والركض بالتأكيد، فلمَ لا نستمر بإنتاجية أفضل تُشير إلينا وتميزنا في كل شيء في جميع الأصعدة!
فيما يتكوّر البعض في فكرة سوداء لن يقوى على النظر لما بعدها والسعي ببساطة لاحقًا- العُزلة هذه المرة رغم أنها ليست اختيار لكنها داعمة لفكرة إدارة الأزمات التي يتبنّاها الأشخاص الأكثر وعي تباعًا لظروفهم الخاصة
وليس المؤسسات والشركات والدولة فحسب.
