الطلاق هو انفصال زوجين عن بعضهما بطريقة منبثقة من الدين الذي يدينان به، ويتبع ذلك إجراءات رسمية وقانونية. وقد يتم باتفاق الطرفين، أو بإرادة أحدهما، وهو موجود لدى العديد من ثقافات العالم.
وقد كره الإسلام الطلاق؛ لأنه تبديد الشمل، وقطع الصلة، وهدم الحياة الزوجية، وإذا كان لا بد منه فينبغي اقترانه ببدء العدة؛ حتى لا تطول مدتها على المرأة وتتضرر، فالإضرار بالطلاق حرام، وكيلا يقع الزوج في الندم إذا طلّق في وقت غير مناسب، فيحرم في وقت الحيض، أو في طهر جامعها فيه، وكذلك لا يجوز إخراجها من البيت، قال تعالى: {لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ} {الطلاق}.
ولقد أمر الله سبحانه بعدم خروج المرأة المطلقة من بيتها، وبعدم إخراجها منه لأن بقاء المرأة في بيتها وعدم خروجها منه يمنع الخلاف من أن يتسع، ومن أن يعلم به آخرون؛ كأهل الزوج وأهل الزوجة، وعندها يتأزم الخلاف، ويصعب حله .
حقا هي بيوت أزواجهن، ولكنـه يسميها بيوتهن لتوكيد حقهن في الإقامة بها فترة العدة، لا يُخرَجن منها ولا يَخرجن؛ ذلك أن الحكمة من إبقاء المطلقة في بيت الزوج هي إتاحة الفرصة للرجعة، واستثارة عواطف المودة، وذكريات الحياة المشتركة؛ حيث تكون الزوجة بعيدة بحكم الطلاق قريبة من العين، فيفعل هذا في المشاعر فعله بين الاثنين.
ويقول وصحيح أن هذه الآية في المطلقة، فإني أرى أنه يحسن العمل بها أيضًا في الحياة الزوجية المستمرة؛ بل لعل هذه الحياة أولى ببقاء المرأة في بيتها وعدم خروجها منه، أو إخراج زوجها لها، بسبب خلاف ناشئ بينهما.
إن بقاء المرأة في بيتها إثر نزاع بينها وبين زوجها يمنع خروجه عن دائرتهما، ويحول دون إطالة أمده.
عن سالم أن عبد الله بن عمر أخبره أنه طلق امرأة له وهي حائض، فذكر عمر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فتغيظ رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال: «ليراجعها، ثم يمسكها حتى تطهر، ثم تحيض فتطهر، فإن بدا له أن يطلقها فليطلقها طاهرًا قبل أن يمسها، فتلك العدة التي أمر بها الله عز وجل.
ورواه مسلم ولفظه: “فتلك العدة التي أمر الله أن يطلق لها النساء”.
ومن ثم يتعين أن هناك وقتًا معينًا لإيقاع الطلاق، وأنه ليس للزوج أن يطلق حينما شاء إلا أن تكون امرأته في حالة طهر من حيض، ولم يقع بينهما في هذا الطهر وطء، والحكمة في ذلك التوقيت هي أولًا إرجاء إيقاع الطلاق فترة بعد اللحظة التي تتجه فيها النفس للطلاق، وقد تسكن الفورة، إن كانت طارئة، وتعود النفوس إلى الوئام.
وقد تتغير الأحوال وتتبدل إلى هناءة ورضى، فقدر الله دائم الحركة، دائم التغيير، ودائم الأحداث، والتسليم لأمر الله أولى، والرعاية له أوفق، وتقواه ومراقبته فيها الخير يلوح هناك! والنفس البشرية قد تستغرقها اللحظة الحاضرة، وما فيها من أوضاع وملابسات، وقد تغلق عليها منافذ المستقبل، فتعيش في سجن اللحظة الحاضرة، وتشعر أنها سرمد، وأنها باقية، وأن ما فيها من أوضاع وأحوال سيرافقها ويطاردها، وهذا سجن نفسي مغلق مفسد للأعصاب في كثير من الأحيان.
وليست هذه هي الحقيقة، فقدر الله دائمًا يعمل، ودائمًا يغير، ودائمًا يبدل، ودائمًا ينشئ ما لا يجول في حسبان البشر من الأحوال والأوضاع، فرج بعد ضيق، وعسر بعد يسر، وبسط بعد قبض، والله كل يوم هو في شأن، يبديه للخلق بعد أن كان عنهم في حجاب.
ويريد الله أن تستقر هذه الحقيقة في نفوس البشر، ليظل تَطَلُّعهم إلى ما يحدثه الله من الأمر متجددًا ودائمًالتظل أبواب الأمل في تغيير الأوضاع مفتوحة دائمة، ولتظل نفوسهم متحركة بالأمل، ندية بالرجاء، لا تغلق المنافذ ولا تعيش في سجن الحاضر، واللحظة التالية قد تحمل ما ليس في الحسبان {لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذلِكَ أَمْرًا}.
