من المثير للدهشة أنّ هناك أحياءً في عداد الموتى، ولا يخلو حال الإنسان كما يُعرف من حياةٍ أو موتٍ إلّا أنّ هناك حالة بينهما، وهي حالةُ مَن سئموا هذه الحياة أو المكوث فيها، وفي الحقيقة هم لم يسأموا الحياة، وإنما الموت هو الذي سئم بقاءهم أحياءً.
تمرّ عليهم السنوات تلو السنوات وهم معدودون مع الموتى، ومن غريب أمرهم أنهم لا يشعرون بالموت؛ لأنّه يتسلل إلى قلوبهم رويداً رويداً من غير مرضٍ، ولئن سألتَ عن الفارق بينهم وبين الموتى فلا شيء إلا أنّ الموتى الحقيقيين يسكنون القبور، فهم أحياء بأجسادهم أموات بأرواحهم.
لا بأس على الإنسان أن يتعلم من مخلوقات الله، فهناك حشراتٌ لا تعرف طريقاً للنوم، أو سبيلاً للراحة، ومنها النملة ذات العمل الدؤوب، والجهد اليوميّ المتواصل من أجل الحفاظ على شيء واحد، وهو البقاء؛ إذ يدرك النمل جيداً أنّه لا بقاء له في الحياة دون الجدية والاستمرار في العمل.
الذي يجعل حياتنا مَواتاً هو ذلك الفراغ الفكري، ومنه الشرود الذهني المتكرر عن التفكير في الوصول للغايات النبيلة، أو حتى النظر في سرّ وجودنا، أو الوقوف على دلالة تميز الإنسان عن غيره، فالإنسان مطالب عن غيره بإحياء الأرض وما فيها، وكلما ازداد معرفة بغاية وجوده ازداد تحركاً واستمراراً وعملاً في هذه الحياة.
هذا الفراغ الذي يُصاب به الناس هو خواء النفس والعقل، وهو المسبب للحالة النفسية السيئة التي يشعر بها بعضنا، فإنّ من أوجع الأمور وأضرها عيشةَ الشخص مُبْهم المطالب؛ بحيث يكون حاضره صفحة فارغة من الأهداف، ولا يلزم من وجود الأهداف الأخذ بكلّ ما فيها، فقد تكون غير ملائمة للشخص، أو أنّ الوقت لا يسعها، لكنّ المهم أن تكون حاضرة.
إننا نعيش هذه الحياة بكفاحها وصعوبتها لأهدافٍ نعمل جميعاً على تحقيقها مع الأخذ بعين الاعتبار أنّ النجاح ليس مقتصراً على إنجاز ما تم تخطيطه من أهدافٍ بقدر ما يكون في محاولة العمل من أجل تحصيلها؛ لأنّ السيرَ في الطريق هو في حدّ ذاته تحقيق.
لا تجعل حياتك بلا أهدافٍ فتتسكع في هذه الحياة فتموت وأنت حيّ.
