التمويه؛ مفهوم ارتداء “المموه” لدى المنظومة العسكرية في أي دولة بالعالم، يعني تأقلم الأفراد على البيئة الميدانية المحيطة لهم، عن طريق ارتداء الزي المناسب للبيئة سواء كانت صحراوية أو زراعية؛ فالتكيف مع البيئة لكسب امتيازات كالتخفي أو إرهاب العدو، يزيد من أهمية هذا التكتيك لدى المنظومة العسكرية… مثلما قال “أحمد عز” في فيلم الممر: “إلبسوا المموه .. بيخافوا منه!”. لكن المشهد الذي نراه اليوم، هو لنظام حُكم يستخدم عناصره كأدوات دبلوماسية تخدم أهدافه الاستراتيجية في منطقة الشرق الأوسط.
انتشرت قبل بضعة أيام أخبار تفيد بمحاكمة الدبلوماسي الإيراني “أسد الله أسدي”، حيث أكدت المحكمة الجنائية في بانتورب ببلجيكا، أن أسدي كان رئيس وحدة التجسس الإيرانية في أوروبا، وقد أحالته إلى المحاكمة برفقة ثلاثة أفراد آخرين بتهمة التخطيط لعملية إرهابية ومحاولة القتل مع سبق الإصرار والترصد. وذكرت المحكمة أن أسدي كان يخطط لعملية إرهابية بأوامر مباشرة من النظام الإيراني، لقتل أكبر عدد ممكن من المشاركين في مؤتمر نظّمته المعارضة الإيرانية في باريس أواخر شهر يونيو عام 2018م؛ المشاركين الذين كان عددهم حوالي خمسة وعشرين ألف شخص، من بينهم شخصيات أمريكية وفرنسية وأوروبية بارزة ومعارضة للنظام الإيراني.
الملفت للنظر هنا أن أسدي كان السكرتير الثالث في السفارة الإيرانية في فيينا حينما تم القبض عليه في عام 2018م، وطبقًا لتأكيد المدعين العوام في ألمانيا، لم يكن الأسدي دبلوماسيًا عاديًا، بل ضابطًا استخباراتيًا إيرانيًا يعمل تحت غطاء دبلوماسي.
وذكروا في تصريحاتهم أن أسدي كانت له صلة بـ “وزارة الاستخبارات والأمن الوطني” الإيرانية وكانت المراقبة المكثفة ومكافحة جماعات المعارضة داخل إيران وخارجها من محاور مهامه الرئيسية. وبالإضافة إلى شمول قرار المحكمة البلجيكية على أدلّة تربط بين مخطط “الدبلوماسي – الاستخباراتي” من جهة وبين المسؤولين المباشرين عنه في طهران من جهة أخرى، يمكن القول هنا إن النظام الإيراني أصدر أمر لـ الأسدي وعناصره، بارتداء “المموه الدبلوماسي” لتنفيذ عمليات نوعية، وبالطبع هذه لم تكن المرة الأولى بل وسعى النظام الإيراني مرارًا وتكرارًا على مدار بضعة العقود الماضية، وراء تنفيذ مثل هذه العمليات للإطاحة بالمعارضين الإيرانيين خارج حدود الدولة، ناهيك عن الاغتيالات والقمع الذي يمارسه في الداخل. وعلى الرغم من تعارض هذه الأساليب مع جميع المقررات والقوانين الدولية، لا زال النظام الإيراني مستمر في سياساته التي تضعه في إطار “دولة إرهابية”.
والعجيب حقًا هو عندما نسمع كبار مسئولين النظام الإيراني، يتحدثون عن إرساء العلاقات الودية مع دول العالم ويؤكدون على أن مبادئهم الراسخة تدفعهم لمد يد الود والصداقة نحو دول الجوار بل ودول العالم بأسره. ويبقى السؤال هنا؛ هل تمدون يدكم بـ السلام أم بـ السلاح لقمع كل من يعارضكم؟
