ثمة تراتيل في جزيئات الهواء انكدرت، ونحيبٌ سُجر، و بلا ذنب أنفاسٍ من سماءها كُشطت، و أوطان بعد عصي الدمع سُعرت، وبين غلاف كتاب مزخرف للقارئ صفحاتٍ مرصوصة؛ قُتلت حرية قلمها قبل أن تتنفس، وفي نهارٍ مطرقة قاضي قبل أن تحكم بالعدل كُسرت، وهناك مُطاع وليس بأمين، وكل ما رأيناه في الأفق كان مبين، فأين يذهب الفأر بعد أن يعسعس في عشِ الفراخ، و حيث صوت الجميع لا أصوات هناك حضرت، ثم أن القواميس ترجمة معنى مصطلح “الإنسانية” بأنه “خلاف البهيميَّة، وأنها جملة الصفات التي تميِّز الإنسان”.
ولكن في زوابع حاضرنا يتضح لنا بعد الضوضاء الخارجة من أغلب الأفواه التي تجلس خلف طاولات اسمها الإنسانية، أن لا حبر من عندهم نطق بحروف تحمل معنى الإنسانية، إذًا فبأي لغة اليوم نترجم لغة الإنسانية الجديدة، وقد أصبحت مزيج من اللغات المختلطة ببعضها، وكأنها تزاوجت وامتزجت حتى نتجت جين وصل لعصرنا الحالي وهو عقيم، على أي قاموس نتكأ، بعد أن ضاعت بين قواميس السلاح والحرب وتنوع مفردات سلب الحريات ليكون معناها كل الوحشية التي نجدها اليوم مختبئة تحت اسم حقوق الإنسان، والحقوق بين السلاح حُشرت؟
فأين هي من بين بلدان قصفت شعوبها وكل ذنبها أن لا ذنب لها، أين هي من ذبح حريات، وقمع أصوات، واستمرار منطق الإجبار والإذلال، أين هي من فقيرٍ نام عريانا من الزاد، أين هي من أطفال مسلوبة الطفولة، أين هي من مستقبل هُدر طموحه قبل أن يبدأ، أين هي من أنين ذُبح صوته لتخرس حقوقه؟
لربما حينما نكون بعيدين عن المثاليات والمجاملات التي أعتدناها حتى تعودناها لا نجد غير مصطلح “الحيونة” -مع اعتذاري للحيوان- هنا لتلتصق بمعنى الإنسانية التي يتحدثون عنها اليوم ماثلة في ما وصل إليه العنف و الوحشية و التماهي في حقوق الإنسان في العالم الحالي، ليس بعيدين عن من على وسادة شعارات الإنسانية ينعم، و قد خُفي عن الأغلب أنها محشية بريش صُنع من بلاد الكذب، حتى يستيقظ ليفطر ويتغذى على مائدة دسمة بوعود عقيمة، ثم يمطرها على أٌناس لا حول لها ولا قوة سوى أمل بأن مطر من يوعد لا يكون رجيم.
فكما قال إريك فروم في موافقته على فكرة وحشية الإنسان : “الإنسان يختلف عن الحيوان في حقيقة كونه قاتلاً لأنه الحيوان الوحيد الذي يقتل أفراداً من بني جنسه ويعذبهم دونما سبب بيولوجي أو اقتصادي ويحس بالرضى التام من فعل ذلك”.
ثم أن الكل لدية قضية، والكل ينادي بحقوقه و بالإنسانية، و ما نجده في الآونة الأخيرة ليس فقط ضد الإنسانية إنما صار يُسمح للبعض أن يصرخ ليدافع عنها وهناك من أُخرس صوته عنوة، والمثير للسخرية عندما ترى من سُمح له بالصراخ ليصبح صوته مسموع للكل، ذلك الأول الذي يجتمع في براويز كثيرة ماثلة في من يريد استباحة حقوق، وتهجير أرواح، وقد نرى برواز بصورة جريمة قُتل صاحبها وأصبح القاتل بريئ، وكل صورة تخطر على بالك أيها القارئ ضعها في برواز و ستلاحظ المقصود.
أما الأخر لا قوة له إلا أن يضع صورته للنظر إلى الظلم الذي يقع عليه في برواز مشلوخة زاويته كلما عُلق سقط، ولأن لغة الحق و الظلم باتت معظمها عوجاء متماهية، ملئت قواميس الخطابات الحديثة بها و تخفت خلف جلباب الإنسانية؛ فلم تتكور القوانين في الكون للأخير، ولم تُسأل هذه الفئة لما صُرخت، بل يحاولون تعطيل كل الآذان عن سماعها، فالآذان أصبحت أصمة ولا تسمع إلا بجهاز صُمم ليسمع صوت الظالم على شكل بكاء.
وإن اسقطنا الضوء على قضية شعب كامل ونهب بلد كامل عنوة بكل طرق الإجرام بحق الإنسان، يكون الحديث جدًا بعيدا عن الماديات وإن كانت مهمة، و لكنها أعمق وأشد ألما؛ لأننا نتكلم عن مأساة إنسانية لا يريد أن يفهمها الذين يدعون أنهم يتحدثون بلغة الإنسانية، لا يريدون أن يروا أن هناك أرواح بريئة تُقتل بلا ذنب، مجازر وإبادات لو يتكلم التاريخ لبكى من صوت الدماء وهي تتساقط على الأرض، نكبة لإسم الإنسان، فلا ينسى التاريخ ذلك المشهد الذي استمر قرابة دقيقة، مُثّل مباشرة على الهواء، و قد خلده التاريخ في برواز بزاويةٍ، ووابل من إطلاق النار ينهش درةً لتنتفض بحضن أبيها كالحمامة المقتولة؛ وبعد حوالي تسع وخمسين ثانية للمشهد ركدت وودعت الحياة، …… وإلى الآن لم يسدل الستار، ولم يصفق الجماهير، وما يثير الشفقة على البشرية حينها إلى الآن، أنها لم تتعب وتخرس أصوات الممثلين و تصفير الجماهير، و استمر تصفيق المنتج لإنتاج المزيد، وكأنها مسرحية تُحاكِ ما آل إليه طغيان الإنسان في أخيه الإنسان.
ثم بعد أيام يتحدثون محاولين تحويل كل مشهد إلى حدثٍ عادي، وليس بغريب و ذلك لخلق مشهد طبيعي من خلف شاشة تلفاز، حتى يقف الكلام لئلا يكون مؤلم ويخدش قلب المتجبر والظالم، فهناك مايزيد عن خمسين عاما من الخذلان والخيانة للإنسانيةِ، و هناك أعوامٌ من البحث عن ما يسمى السلام والأكيد لا سلام في الأفق مادامت الحشرات الدنيّة بين الورود ساكنة. ولكن هو هكذا فقد وصل الحال إلى إذلال الإنسان و تحويلة إلى ألةٍ مُبرمجة، إلى أن يكون متعوّد و لا يتساءل عن كل العنف والتعامل غير الإنساني الذي يعامل به أو يراه على غيره أو حتى حين يراه على شاشات التلفاز و هنا كأننا وصلنا لإنتهاء الإنسان، ولم يبقى له أي وجود.
و إذا كان الأمر كذلك ، أصبح حين يكون الحديث عن الإنسانية لابد للمتحدث عن جلبابها أن يقال له، توضأ بدموع الفقد التي ملئت بيوتهم لتستيقظ الضمائر النائمة في الوحل، لابد أن يتمضمض الكلام قبل نطقه بقطرة من دم طفل سقط بحضن أمه مفضوخ الرأس، لربما تدخل قطرة لقلب المختلطة المفاهيم عنده كي يحيا بعدما جف دم كرامته، لا بد أن تُرتل إنكسارات الإنسان الذي لا حول له إلا أن يرفع يده، ليس للقتل إنما للدعاء، و ليرجو نجدة تسمعه من الإنسان، علّ تشفى الآذان من الصمم، لا بد أن تُرفع الصلوات بين شوارعهم وتسجد على أرضهم علّ زجاج بيوتهم يخدش جلد قساوة الإنسان فيك ويستشعر خساراتهم.
فلابد أن يعي الإنسان أن القضية الإنسانية تعتبر قضية كل إنسان، قضية الكل، وإلا ليبحث عن تصنيف آخر من المخلوقات لينتمي إليه.
