كلما كانت طريقة الحياة بسيطة خالية من التعقيد، والمظاهر المبالغ فيها، كلما قادت الإنسان إلى الوصول لهدفه من أقصر الطرق، لأنه سيكون وقتها في قمة تركيزه، ولن ينشغل بما يبعده عن هدفه الأساس.
الحياة المعاصرة تسبب الكثير من الضغط والتشتت في حياتنا، فالهواتف الذكية، والأجهزة اللوحية، والتلفزيون كلها تحيط بنا، وتسبب فوضى العقل، نحن الآن على اتصال بباقي العالم على مدار الساعة طوال أيام الأسبوع، وهو أمر عظيم ولكن له عيوبه أيضا، فالتكنولوجيا تجعلنا مهتمين بالأشخاص الافتراضيين بدلا من الأصدقاء المقربين في حياتنا، كما تؤثر على نمط استهلاكنا نتيجة مقارنة حياتنا وأغراضنا بالآخرين، مما يزيد التوتر والقلق، ويصعب أوضاعنا المالية.
والدعوة إلى البساطة ترشدنا إلى العثور على السعادة من الداخل، وليس عن طريق الأشياء الخارجية، أن تبحث عن جوهر الأشياء وتتمسك بما هو مهم لك، وتتخلص من كل ما يضيع الوقت والمال والسلام النفسي ويجعلك دوما محاصرا بالهموم والأعمال والديون.
ويختلف معنى الحياة البسيطة من شخص لآخر، ولكن بشكل عام يمكن فهم البساطة على أنها التخلص من الفوضى، والتخلص من الأشياء والأعمال غير الضرورية… لتفسح الطريق أمام الهام في الحياة، وتتيح فرص العيش بحرية واستمتاع.
العيش ببساطة ليس أمرا سهلا كما قد يبدو في البداية، خاصة في ظل العالم الاستهلاكي والفوضوي والذي يربط السعادة بالأشياء المادية والقيام بأمور عديدة.
والضغوط المالية شائعة في عصرنا الحالي، نتيجة الانغماس في دائرة الاستهلاك، والرغبة في شراء الكماليات باستمرار، وتبسيط الحياة يعني أن تدع الرفاهيات التي لا تحتاج إليها حقا، وتغير نمط حياتك ليصبح أبسط وأقل استهلاكا وضغطا، كأن تتوقف عن الإجازات الغالية، وتناول الوجبات بشكل متكرر في المطاعم الفاخرة، وأن تكف عن ملاحقة اتجاهات الموضة والعلامات التجارية، مما يوفر مبالغ مالية كبيرة، ويزيح شبح الديون.
فبدلا من الذهاب إلى مطعم فخم لالتقاط الصور والتباهي بها على وسائل التواصل الاجتماعي يمكن إعداد وجبات لذيذة وصحية وتناولها في حضن الطبيعة، أو في البيت، هناك العديد من الطرق لتحقيق الأهداف النهائية بشكل أبسط وأوفر.
وتبسيط الحياة لا يقتصر على الأشياء والأغراض المادية، فهناك تبسيط نمط الحياة في العمل والالتزامات، احرص على ألا يكون جدولك الزمني ممتلئا إلى الحد الذي يعوقك عن الاسترخاء وقضاء الوقت بسلام.
تعلم قول (لا) للأشياء التي لا تهمك حقا، سيقلل هذا الجهد الذي تبذله في أمور لا تعنيك وسيكون لديك المزيد من الطاقة لتفعل الأمور التي تريدها والأكثر أهمية لك في الحياة.
وتبسيط الحياة، وتخفيف الأعباء، يجعل الشخص أكثر قدرة على عيش حاضره بفاعلية، وأن يهتم بالأشخاص الأهم، وأن يكرس انتباهه بالكامل للمهمة التي بين يديه.
ويرتبط الشعور بالسلام الداخلي مع عيش اللحظة والاستغراق في “هنا والآن”، وهذا التواجد والتركيز والاهتمام يجعل وجود الإنسان مؤثرا في حياته الواقعية، ويجعل الشخص أكثر جاذبية، والكاريزما مفيدة من نواح عديدة وتسمح بالتفوق في العمل وتعزيز المكانة الاجتماعية.
ومن أكبر التحديات التي يوجهها الناس اليوم تحقيق التوازن بين الحياة الشخصية والأسرية من جهة وبين الوظيفة والعمل والنجاح المهني من جهة أخرى، نحتاج إلى المزيد من الوقت لنقضيه مع أطفالنا، ومزيد من الوقت للراحة وإعادة الشحن، ومزيد من الوقت لمتابعة الأهداف المهنية، وفي النهاية نصبح مشتتين ولا نشعر بالرضا تجاه أي من هذه المسؤوليات والأدوار، ولكن تبسيط الحياة يساعد جدا في حل هذه المعضلة، والتوفيق بين الاحتياجات المختلفة.
تبسيط الجدول الزمني، وقائمة المهام، والتخلي فورا عن الأعمال غير المهمة أو التي يمكن للغير القيام بها، وتحديد الأولويات والاقتصار على المهم في كل جانب من جوانب الحياة هو الطريق الوحيد لحياة متوازنة.
ضع صحتك الجسدية والنفسية في أعلى قائمة أولوياتك، وتناول مشروبك المفضل في هدوء، وممارسة الرياضة التي تحبها ولو مرتين في الأسبوع، كلها أمور ستجعلك أهدأ بالا وأبسط في تعاملك مع تعقيدات الحياة.
ويشكو الناس اليوم قلة الوقت، رغم ما يهدرونه من خلال النظر في شاشات الهواتف والأجهزة اللوحية لمراقبة الإشعارات على وسائل التواصل الاجتماعي.
ألغِ تنشيط حساباتك على وسائل التواصل الاجتماعي بين الحين والآخر ولو لبضعة أيام، فهذا يساعدك على التحرر من الضغط الهائل الذي تسببه الجدالات والأخبار وهوس المشاركة والاطلاع على حياة الآخرين، وستندهش من الوقت الذي ستوفره من إلغاء تنشيط حساب الفيس بوك وانستجرام وتويتر وغيرها.
وإذا كنت تعاني من الديون الكثيرة فلا تدفن رأسك في الرمال وتهرب منها، قم بجدولة الديون وترتيبها، تناقش مع المدينين وضع خطة للسداد.
ستشعر بشعور رائع عندما تصلح أخطاءك بدلا من الهروب منها أو إنكارها، اعتذر وتراجع، وقرر المغفرة بدلا من الانتقام فهذا سيحررك من ضغط هائل تفرضه عليك المشاحنات والصراعات، وتذكر أن الحياة قصيرة جدا ولا تحتمل أن تهدرها في صراعات لا طائل من ورائها، وكما تسامح الآخرين، فإن نفسك أولى بأن تسامحها وتتجاوز مشاعر الندم.
إن اختيار نمط حياة أبسط لا غنى عنه لمواجهة تحديات العصر، والتخفف من الأعباء التي لا نهاية لها، والعيش وفق معنى ولهدف تشعر بقيمته.






