بقلم/ إيمان الجمعة
قيل ” الأهم من كلّ شيء هو ألا تكذب على نفسك، فـ الرجل الذي يكذب على نفسه ويستمع لكذبته سيصل إلى مرحلة لن يتمكّن بعدها من تمييز الحقيقة في داخله أو من حوله”، ولكن على ما يبدو بدأت مجتمعاتنا تتقن الكذب و التمثيل في كل شيء، بدأت تتقن كيفية ارتداء قناع إدعاء المثالية في كل أمور حياتها إلى حد العمى، فأصبح الواقع متضخم التشويه وجامد كالفرد المدّعي أنه شخص مثالي، المعمي عن رؤية عيوبه ونقائصه.
ثم ثمة صدمة تصيبنا عندما يراد منا تولي زمام احاديث المجاملة لمجتمع تجد كل الجهل تفشى به واقمع الوعي كي يلزمه زاوية الصمت، فليس غريب في هذه المجتمعات إن تجد فيها الكثير من المقاعد الدراسية مُلئت بكومة عقول لتصقلها على نظام واحد أن تدرس لتجلب الكثير من الشهادات ليكون حلمها فقط وظيفة، ثم يُلقى على باب الوظيفة حفر من الشروط التعجيزية لتثقل كاهل المتقدم، مع العلم إن أصغر حفرة اسمها خمس إلى عشر سنوات من الخبرة، إلى أن يجعلوه ينزوي بذاته مع كل الاحباطات التي بدأت تتفاقم حوله ليرى حقيقة الواقع البعيدة عن التبجيل وتضخيم الأنا، ولا عزاء له إن ادرك بعدها إنها كومة عقبات توضع لتحبط المتخرج الجديد أو الباحث عن العمل، فلن يجد غير سلسلة من حفر البطالة ليركن كل تلك الشهادات بأعماقها، ولكن مايثير السخرية إنه برغم كل التعاسة عندهم سترى قناع إدعاء المثالية و ستسمع جملة واحدة تتردد على المسامع يقال عنها دعم معنوي مختصرة بجملة يجب أن تنتظر الفرج من عند الله، ثم يبدأ مسلسل الركض حول مايسمى المستقبل المنتظر، ليتحول إلى كابوس اخفوه من صفحات المنهج.
في الحديث نفسه يأخذك إلى صدمة أكثر وهي أن تجد تراكض الإعلام، ولكن إنتبه هنا فهو ليس لسقوطك في حفرة البطالة إنما لكل ما هو مبتذل أو مثير أو به مناظر قاسية على أعين الإنسانية، وهذا فقط لجمع المشاهدات، و ما أثار انتباهي في هذه الأيام القليلة الماضية أكثر هو شعار مضحك مبكي تناقل في وسائل التواصل الإجتماعي قيل فيه “موت طفل وحد العرب في خمسة أيام”، في حين إنك لا تجد ملامح التوحيد التي يرددونها في الأرجاء، و في الأخير مات الطفل -رحمه الله- و بقي اختلاق الشعارات المزخرفة كالعادة تطفو لتغيب أصواتها بعد سويعات من الحادثة لتذهب تبحث عن مشهد أكثر إثارة، السؤال هنا هل هذا مايلزم المجتمعات الجامدة طفل يموت أو يختطف لتتوحد؟
إذًا ماذا عن تلك الأطفال التي يقصف عمرها بحضن أمهاتها كل يوم؟ ماذا عن الأطفال التي تفقد طفولتها في الحروب لتكبر بشخصية مخدوشة؟ فكم من الأطفال مطمورة في حفر الحروب و الإهمال و الظلم والتعنيف و لا يجدون من يقتلعهم من القاع، ولم تتوحد أو تقوم المجتمعات أو الإنسانية إليها، ثم تذهل بصدمة الأخبار وهم يرفعون شعارات مدعين المثالية لمجتمعاتهم التالفة، تماما مثل وجود وزارة صحة ولكن لا ترى صحة عند الناس، أو أن توجد وزارة أمن لكن لا أمان في الأوطان.
ولربما هذا الواقع الذي لا يمكن تجاهله إلا بقمع العين آلا وهو حقيقة مجتمعاتنا بأنها أنزلقت و وصلت إلى حد ما يسمى اضطراب الشخصية النرجسية، أو لربما لا مبالغة إن قلت إنها صارت تفضي للجمود و الكسل الذهني وتورثه عبر الأجيال، مثلما تحولت عندها فكرة المجتمع المثالي إلى مجرد خرافة أو حلم جميل لـ “أفلاطون” يناغي أحلام اليقظة في أحاديثها.
حيث في الوقت الذي تتسابق فيه المجتمعات النشيطة بعملها الدؤوب في تحقيق التنمية، لتقفز إلى مستويات كبيرة بالاستقرار والتطور الإنساني والإجتماعي، ليصيبك الغبن عندما ترى المجتمعات الجامدة تحولت الأحلام فيها من تحرير دولها و البحث في العلوم و نشر الوعي و الثقافة إلى أن تكون أقصى احلامها إنخفاض البنزين والدولار و الضرائب وتوفير كهرباء، ولا يخفى الحديث عن الأخيرة التي باتت شبه معدومة في أراضي ليست منسية على الأرض.
أما هذا مجرد سرد قليلا من الغُبن الذي يلوح خلف الشعارات الحالمة في المجتمعات الجامدة التي تدعي المثالية، و التي كان عذرها في ما سبق أنها في صراع لتحرير دولها ونفسها، ولكن كذلك يصيبك الغبن أن تراها مازالت تطحن بعضها بعض لتمسك حريتها و تتخلص من الظلم والجشع والفساد والاستبداد. في حين عندما ترى المجتمعات النشيطة تغذي أدواتها بالحوار والنشاط الفكري و البناء والعلم فقد أدركت ما آلت إليه كل الصراعات والنزاعات والفرقة في الماضي إلى تفتت مجتمعاتها، و لكن هذا هو طبيعة الحال في حقيقة الأمر وهي أن مجتمعاتنا دائما تخاف من مواجهة حقيقتها، دائما ما يخيفها أن يشار إليها بإصبع الإتهام أو النقد.
ثم من خلال هذا المنظور الذي يتملك واقع المجتمعات الجامدة في بقعها النامية هذا يجعلنا نتساءل عن البُعد لمستقبلها كيف سيكون؟
بالأحرى لن يكون ورديا كما نتخيل، بل سيبقى مستقبل محمل بمزيد من التخلف والانحطاط، والتفكك والانقسام والظلم والفساد، فماذا تنتظر من مجتمع في حالة جمود ذهني و التي يفصلها الباحثون خلال هذه الفترة يفتقر الفرد الدافع للدوافع الشخصية، و يكون محروما من الدوافع المحيطة به ليخرج بأفكاره النمطية إلى مدى أبعد ليتجاوز العالم الذي يعيش فيه أو تخرجه من عالم الخيال والأحلام إلى أرض الواقع. و لطالما أن آفة الكسل الذهني تتنقل عبر الأجيال كموروث، فقد أصبحت جزءًا لا يتجزأ من عقليته، و لن يتمكن أي مجتمع بغض النظر عن مدى صراخه بالمثالية الحالمة من التنافس على مسرح الريادة العالمية وهو مصاب بآفة الجمود الذهني.
فقد يحدث أن نتوه بين ثنايا الكون ونكابر بأننا على طريق العودة الصحيح، يحدث أن يُكسر جناح حلمنا ثم نقول و نحن نذرف الدموع أنه لا يؤلم، يحدث أن يكمل مهندس تصميم خريطة بناءه ثم بعد اكتمال البناء يكتشف خطأه، و لكن قيل الأهم من كلّ شيء هو واجه حقيقتك و ألا تكذب على نفسك.






