بقلم/ إيمان الجمعة
(كلما وجدت نفسك في طريق الأغلبية، فقد حان الوقت لتتوقف وتغير اتجاهك)، قالها الكاتب الأمريكي “مارك توين”، ولكن بعد عولمة العالم و تجريد تفاصيل الحياة من هويتها، بعد أن قفز مصطح “سلوك القطيع” في الحقول الإجتماعية والنفسية ليعبر إلى كافة الحقول الأخرى، يستدرجنا سؤال إلى أنفسنا، هل ما زال الفرد قادر على التفرد أو التعبير عن ذاته وهويته دون الإنكماش في شباك الخوف من الأختلاف و نظرة الجماعة التي ستسقط عليه مقصلة من الانتقادات السلبية و “السلوك القطيعي” نتيجة أختلاف رأيه أو عدم تقنيع ذاته بقناعهم؟ وهل وجب علينا أن ندرك تماما بعد كل ماوصلت إليه البشرية من تطور مازال عليهم الركون لاستخدام مصطلح “القطيع” مع كل ما يحمله من سلوك حيواني؟
و ردت حكاية في الأدب الروسي يُحكى فيها “أنه كان هناك شابًا بكامل صحته أتى قرية للإقامة فيها وكل أهلها يعانون عاهتي العور والعرج، فلما رآه أهل القرية هاجمته جموعهم لأنهم عدّوه مختلفًا و دخيلاً عليهم، ولكن ما إن هدأوا عن نظرتهم أنه أقتحم حياتهم، و أَلِف العيش معهم، حتى راح هو الآخر يضيق إحدى عينيه متظاهراً بالعور، و يعرج بإحدى رجليه مثلهم، و سرعان ما اعتاد على وضعه الجديد، ونسي أنه ليس بأعور أو أعرج، وفي يومٍ ما أحتاج أن يبصر بعينيه ما عجزت عينه الواحدة عن رؤيته، و أن يجري كذلك برجليه، لكن بدا له أن عينه المغمضة لن تفتح أبدًا، و أن رجله العرجاء لن تنتصب أبدًا؛ فقد فقدت أعصابه وعضلاته لياقتها للحركة، ولم تعد قادرة على ما كانت تأتي به قبل أن يفد إلى القرية”.
وإن كانت الحكاية تحمل عدة أوجة لكنها عنت بشكل واضح غياب “صوت الفرد وأنتزاع مكانته المستقلة وتضيق ذاته الفردية” لأن يهمل حتى تفكيره و قراره في أصغر الأمور ليذوب في الآخرين، و ليس لزوم هنا أن يكون خروجه عن ثقافة معينة أو عادات مجتمع، في حين محتمل أن تكون العلة في الفرد المختلف نفسه أيضًا، لكن تبدي لنا الحكاية بشكل صريح العلاقة المعقدة بين امتلاك الفرد صوته المفرد والمستقل، والجماعة وكيانها الجماعي.
و وفقا لعالم النفس “كارل يونغ” فقد عرّف التفرد على أنه “عملية التكامل النفسي؛ أي كائن كامل ومتفرد ومستقل قليلًا أكثر فأكثر”. و من جانب آخر جاء تعريف “سلوك القطيع” على أنه “الأشخاص في الجماعة عندما يقومون بالتصرف بسلوك الجماعة التي ينتمون لها دون كثير من التفكير أو التخطيط” هذا المصطلح في الأساس اُطلق على تصرف الحيوانات في القطيع أو السرب إلى أن وصل ليُسقط على كل سلوك بشري.
وكما يرى أصحاب النظرية الفردية ” أن الفرد هو وحدة الإنجاز، فالإنجاز عندهم هو شيء جديد يحققه الفرد ويتجاوز به ما تم تحقيقه” فيمكننا القول أن المعيار الحقيقي للفرد كالقيمة المطلقة، وهي التي تهتم بقيمة العدد بغض النظر عن إشارته، و ما تتشكل المجتمعات إلا من أفراد تعترف بأعتماد نجاحها على نجاح الآخرين. ولا أقصد هنا الفردية (العزلة) التي هي انعكاس للصورة الشعبية عن الفرد الذي يرفض التعايش مع المجتمع، لذلك علينا أن ندرك أن العزلة ليست جوهر الفردية.
ما أريد طرحه إذن هو فكرة فرادة و تفرد الإنسان، و المعضلة الحقيقية التي تكمن عندما يركن إلى ذاته ليجسد الشخص المنفرد برأيه في مجتمعات غالبيتها تحمل عقل “القطيع”، ليبدوا بينهم تماما كالأبرة تضرب الجسد، على الرغم من فائدتها إلا إن هناك من يكرهها ويخافها، و مما لا شك فيه تخيف تلك الأقزام التي عجزت عن التمسك بهويتها وتهاوت في مستنقع الأمعات، فمحيت منها بصمتها ولغيت ذاتها. وهذا يذكرني بجزء من حديث لولي العهد الأمير محمد بن سلمان حفظهما الله في أحدى اللقاءات عندما سُئل حول القلق على الهوية والتوجس اتجاه الانفتاح على التنوع في العالم كانت إجابته واضحة ومختصرة إلى أي فرد أو جماعة (قطيع) مهزوز الهوية حيث قال “إذا كانت هويتك لن تستطيع أن تصمد مع التنوع الكبير في العالم فمعناه أن هويتك ضعيفة ويجب أن يستغنى عنها، وإن كانت هويتك قوية و أصيلة، و تستطيع أن تنميها وتطورها وتعدل السلبيات فيها، وتحفز الإيجابيات بها، فهذا يؤدي لمعنى أنك حافظت على هويتك وقويتها، ثم ذكر الأرث السعودي الثقافي والإسلامي، وأكد على مكانة الفرد في الوطن وكيف يشكل جزء رئيسي في البلد و معا يُصنع الوطن ويطور مع تغير الزمن”.
و بالرجوع لمقولة الكاتب ““مارك توين” في بداية المقال التي تؤكد على أهمية التفرد والبعد عن “السلوك القطيعي” أنه أصبح اليوم تطبيق هذه المقولة أمر صعب ولا يمكن تطبيقه حقيقة حتمية.
و لعلّنا نرى ذلك بشكل أوسع في المجتمعات إذ أخذ تأثير السلوك القطيعي يكبر ويكبر، كالسطوة على كيان الإنسان من قبل الجماعة أو ما يسمى “بسلوك القطيع”، و تتجلى لنا بوضوح السيطرة على الأفراد في الانصياع إلى أفكار وقرارات خالية من إدراكهم في وسائل التواصل الاجتماعي الذي جعل البعض ينساق إلى إصمات عقله، وإعدام النقد والتفكر في ما يقرأه ويسمعه، وتغيب للوعي فيصبح الفرد كالآلة يدار ويتحرك كما يرتفع وينخفض مجرى الأحداث (الترند) في وسائل التواصل الإجتماعي، إلى أن اضطربت فرادته وهويته و انغمس مع القطيع.
مثله كموضة تعولمت حول العالم ليصبح الفرد الذي لا يمارسها مستهجن بين الأمعات التي ركضت خلف موضة لمنتج معين أو كما يقال ” الهبة” لتتحول الأخيرة في العام التالي إلى موضة قديمة، لتثقل كاهل البسيط بـ “سلوك القطيع”، قد يمثل هذا نموذج مصغر عن عالمنا، ولكن يوجد تحت كل منطاد يطير بيننا نار تشتعل من الهواء، تنطفى وقت ما يريد فرد من القطيع أن يطفئها، ليسحب الأفراد البقيه للسير خلفه، و السؤال الذي ينبثق من المقصود ماذا لو تحطم المنطاد في السماء قبل أن يصل إلى سطح الأرض؟
ثم يحدث أن نتوقف عند نقطة ما فنتساءل و ماذا يعني أن تكون مختلف؟ أن تكون متفرد؟ أن تكون متميز، أن تقول لا عندما يقول الجميع نعم، أن تذهب يمين والجميع يهرول نحو اليسار، أن تفكر والجميع أختار دفن عقله في صندوق، أن تتمسك بمبادئك و هم انفلتوا من ذواتهم، ماذا يعني فرديتك بينما هم يجرونك لتبقى مع القطيع؟ و قائمة الأسئلة تطول والزاوية تصغر لتتماشى مع العقل حين تضربه مقصلة القطيع “الجماعة” لكي يصمت.
ولكن إلى أي حد تسمح الأخيرة بهامش الأختلاف ومدى الحق بوجهات النظر وطرح الرأي بين أوساط افرادها؟ و هل يسمح بالخروج عما عدوه ثوابت ؟ و إن كان هذا يجرنا كذلك إلى سؤال آخر الذي لطالما يُسأل “أليس من يضعون الثوابت هم كذلك أفراد”؟







