بقلم/ د. علي حسن بانافع
سميت الدول الآتية: الأموية، والعباسية، والأيوبية، والمملوكية، والعثمانية ...الخ، وكلها انتماءً لأسماء أفراد أو أسر أو أقوام فلم يستنكر أحد في التاريخ؟! اليوم يستنكرون أن المملكة العربية السعودية سُميت نسبة إلى (آل سعود) علماً أنهم أسسوا ثلاث دول الدولة السعودية الأولى والثانية والثالثة، لذا أقول: بإمكانكم أن تنتقدوا الحكم السعودي لكن انتقدوه بشيء مقبول لا بشيء فعله أسلافنا العظام؟!
ولم يشهد التاريخ الحديث لشبه الجزيرة العربية في القرون الثلاثة الماضية أي محاولة لتوحيدها ولا شك أن أُولى المحاولات هي المحاولة السعودية التي بدأت في القرن الثامن عشر بقيادة الأمام محمدٌ بن سعود في إقامة الدولة السعودية الأولى، فقد كانت الدولة السعودية الأولى هي أقوى وأبرز وحدة في التاريخ الحديث والمعاصر في شبه الجزيرة العربية، لكنها سقطت أو أُجهضت، ثم جاءت الدولة السعودية الثانية تؤكد هذا الاقتناع، إذ استطاع رجال لا ينتمون لعزوة قبلية ولا دولة غنية ولا إلى خلفية حضارية، أن ينفضوا غبار التاريخ عن بيئتهم ومجتمعهم ووطنهم، وأن يشغلوا العالم بالتجربة السعودية الثانية، لكن تكالبت عليهم الظروف والأحداث مما أدى إلى هزيمتهم وانحدار دولتهم بمعدل أسرع من تألقهم، وظن الجميع أن التجربة السعودية قد طُويت في عالم التيه والنسيان.
لقد كان العداء للدولة السعوديّة الأولى والثانية -في البداية- دينياً لها لظهور حركة الشيخ محمد بن عبد الوهاب الإصلاحية، وكان العداء شديداً من قبل القبوريين والصوفية والأشاعرة، وساهم الاحتلال البريطاني بنشره في الآفاق حتى لا تنتفض جماهير المسلمين على احتلالها خاصة في الهند، فقد أدرك المحتلون خطر انتشار عقيدة التوحيد والولاء والبراء واعتماد الكتاب والسنة بين الحجاج القادمين لمكة والمدينة، فقد شاهدوا تأثير دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهّاب على عثمان فودي في أفريقيا وسلطان المغرب سليمان وغيرهم، فاستطاعت الدولة السعودية الأولى بنصرتها لدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب تأخير التغريب مئة سنة -رغم هزيمتها- كما استطاعت أن تطرح أول وأكمل ثورة عربيّة، وذلك بطرحها في صيغتها الشرعية أعني العروبة الملتحمة بالإسلام لا المتمردة ولا المتآمرة على الإسلام ..
وفي الدولة السعودية الثّالثة أخذ العداء بُعد عقدي "أيدلوجي" مع وصول الأفكار والمذاهب الهدامة للمنطقة العربية كالشيوعية والتي أعلنت الكفر والإلحاد -أولاً- وضرورة إسقاط الأنظمة الرجعية "الراديكالية"، ثم جاء العداء الإسلامي الحركي قاده حزب التحرير بدعوى إقامة الخلافة، ثم تأثر به الإخوان المسلمين لما سيطرت عليهم فكرة كُفر الحكام جميعاً؛ والتي تبناها حسن البنا آخر حياته -كما يقول محمد قطب- ثم ساهمت أفكار سيد قطب في ترسيخها بعد ذلك، ثم جاءت دولة الدجال الخميني بتصدير الثورة والعداء للسعودية على أساس طائفي، واليوم تكاد تتحالف هذه الروافد جميعاً على العداء للسعودية برغم تناقض مواقفها ومصالحها ومبادئها.
لنراجع التاريخ القريب -قليلاً- فالمملكة العربية السعوديّة مُنحت هذا الاسم بعد محاولات توحيد مناطقها منذ سنة ١٧٢٧م لغاية اكتمال صورتها الحالية سنة 1932م، فشبه الجزيرة العربية لم تكن موحدة في التاريخ أبداً ووحدها الملك عبد العزيز آل سعود، لم يكن هناك نفط ولم يكتشف بعد، بداية الإكتشافات كانت سنة 1937م، والمملكة أكثر أهلها قبائل وأغلبهم بدو رحل، وكانت مكّة والمدينة حاضرتا الحجاز فوضى ولو طالعت التاريخ لرأيت 700 سنة منازعة على الحُكم، وكانت مرة تتبع للعباسيين ومرة أخرى للفاطميين ومرة ثالثة للمماليك وتارة للعثمانيين، ودينياً كان في مكة أربع محاريب للمذاهب الأربعة، فبدأ الملك عبد العزيز بتطوير المملكة الوليدة من الصفر لغاية وفاته سنة 1953م وحاول تطويرها في كل شيء، وحكمها أبناءه البررة الملوك سعود وفيصل وخالد وفهد وعبد الله وسلمان من بعده ليومنا هذا، ومع تغير الأحوال والانفتاح وظهور تيارات شيوعية ويسارية وقومية وبعثية وناصرية وعلمانية وليبرالية، إلا أنها هي البلد العربي والإسلامي الوحيد الأكثر تديناً والأكثر علماءً وطلبة للعلم والصلاة مفروضة ظاهراً والحجاب ظاهر معلن.
وسياسياً الكثير يخالف نهج المملكة، فما حققته التجربة السعودية لم يحققه لا داعية ولا مفكر ولا سياسي ولا حركة ولا حزب ولا دولة، لكن أغلب الحركات السياسية لا تحب التجربة السعودية، وهذه حقيقة ندركها، هم لا يريدون نقد التجربة السعودية فالنقد مفتوح للجميع لكنهم يسقطونها في الحقيقة، وهي دوافع حزبية أكثر من كونها عادلة منصفة، ولذا هم يكرهون التجربة السعودية وهذا واضح معلن، واليوم يقال: أن السعودية تذهب للعلمانية، لا بأس، لكنها لم تكن في عرفكم إسلامية أو من قبل بعضكم، بل جعلتم مشاكل الأمة العربية والإسلامية بسبب السياسة السعودية.
ولا زلت اتذكر كلام ولي العهد صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز خلال جلسة تدشين رؤية 2030 في الرياض: "اتخذنا خطوات واضحة في الفترة الماضية بهذا الشأن، ولا أعتقد أن هذا يشكل تحدٍ، فنحن نمثل القيم السمحة والمعتدلة والصحيحة والحقّ معنا في كل ما نواجه". فالنجاح هو دائمًا وبلا أدنى شك حليف المواظبين عليه، فمن يعمل جاهدًا في حياته ليس فقط من خلال أعماله إنما من خلال أفكاره، فلا بد من أن يلقى النجاح في نهاية المطاف، كثيرون هم العظماء من الرجال الذي رسموا للنجاح طريقًا، حتى بات دربًا بحد ذاته للتألّق و بلوغ النتائج المرجوّة بمشيئة الله تعالى، لذا فترة التأسيس في تاريخ أية أمة بأهميتها الخاصة، لكي يصبح الوعي التاريخي بها ضرورة لازمة لدى أبناءها.



