بقلم: إيمان الجمعة
ثمة على خصر التاريخ رُبطت عناوين مذيلة بأسماء صنعوا نهضة مجتمع، ولربما الأخير لم يدرك تاريخه إلا حين ضُيع و اختفى، فقد قامت بدايات الحضارات وسقطت الثقافات ثم قامت الأوساط وسقطت ليحبو الإنسان اليوم إلى التعري من ثقافته، مستعيرا من ثوب جده وأبيه أو عباءة جدته و أمه، يهمش كينونة هويته ودينه، ليعلن الإنفلات من جذور ثقافته الأصلية التي تربطه بماضي، ماضي يعتز به من عاشه وحافظ على أصالته ليتخده كبصمة يعّرف به كيانه، يمكننا القول أنه ليس عيبا أن تلحق التجديد و تختلط بالغريب ولكن المعيب حين ينتهي بك الأمر لتصبح إنسان مهجن لا يعرف حتى يدير كفة لغته أو على أي ظهر من الثقافات يقف ليسند ظهره.
لطالما ارتبط الإنسان بثقافة مجتمعهِ الذي يسكنه، فهي البوابة التي تعرف من خلالها مقياس تقدم أو ارتقاء، و كذلك تخلف المجتمع، جملة تحمل تحليل يطول ولكن تختصر لنا إننا لسنا بحاجة لآلآف من المحللين لنعرف من خلالهم كيف كان تقدم أو تخلف حضارة ما، فبوسعنا أن نستنتجها بمجرد أن نصوَّب بصرنا في ثقافتهم. وكما قال بول ريكور: “إن الثقافة إذ هي تؤول العالم فإنها تغيره.”، و مما لاشك فيه إن ركائز كثيرة في طريق بشريتنا اليوم تعلن لنا كيف سيكون القادم في سمائنا.
ولا يغيب عنا إن مصطلح الثقافة من أكثر المصطلحات المتداولة في أغلب الميادين المختلفة المستويات لتستنتج من خلالها كيف تحمل الصعوبة في فهم المصطلح ليأخذ شكلٍ فضفاض حيث مفهومه المنتشر والمتبادر إلى ذهن من يسمعه أو ينطق به، فسؤال كم كتاب قرأت أو ماهي الحالة العلمية للفرد من حيث المستوى؟ أو إقامة جلسة تصوير لكتاب بجانب فنجان قهوة وبثها على مواقع التواصل الإجتماعي هي التي اقتصرت بها الثقافة عند الأغلبية لتقيسها بعدد الكُتب المقرؤة أو المستوى العلمي الرفيع، و لا طائلة فيهم و قد أقحموا هذه الكلمة لتزين كلامهم دون دراية بمعناها كمن يهتم و يُجمل مظهره الخارجي وهو فارغ العقل.
في حين إن نظرنا إلى استخدامها في اللغات الأوربية لتأتي مقابل مصطلح (Culture) “حيث جعلوها إشارة لحالة اجتماعية شعبية أكثر منها فردية، تميز بها مجموعة بشرية عن أخرى، فتتصور بمعنى القيم و العادات والتقاليد في المجتمع البشري، بغض النظر عن مدى تطور العلوم لديه أو مستوى حضارته وعمرانه”.
وإن أبحرنا في بحر الأدبيات الأمريكية استعملت مرادفة لكلمة “حضارة” لإنطواء مفهومها على معنيين أثنين: “أحدهما ذاتي وهو العقل، وثانيهما موضوعي اي كل مجموع العادات والأوضاع الإجتماعية والآثار الفكرية والمنجزات الفنية والعلمية والتقنية وأنماط التفكير والقيم السائدة، يمكن تعليمها ونقلها من جيل إلى آخر لتكون الأشياء المرتبطة أو المتأصلة بين أفراد المجتمع، كالموسيقى والفنون الشعبية والتقاليد المحببة بحيث تصبح قيما تتوارها الأجيال”.
وكما يمكننا الاستشهاد بأمثلة من حياة الأوربيين ماثلة في الدقة عندهم بأمور حياتهم إلى اليوم، كذلك يمكن أن نستشهد بالكرم والشهامة عند العرب و إن غيبوا العرب ماضيهم المشرف بالواقع الذي نراه اليوم، و هذا ما عنيته في السطور الأولى حين قلت ينفلت الفرد من ذاته ليكون مهجن من فوضى لا تعرف إلى أي جين ينتمي و ثمة أمثلة عديدة في الثقافة ماثلة في الأمور التعبدية ومراسم الزواج التي لا تنضب من التواتر في الأجيال.
و حديثي هنا بعيدًا عن المقارنة بين الثقافة الشرقية و الثقافة الغربية و إن بدت الأخيرة تطغى على المجتمعات كافة و لكن ليس مجالٌ هنا لأقيمها بالسلب أو الإيجاب فالحديث عنها سيأخذنا إلى منحى بعيدٍ عن الموضوع، إنما حديثي أعني به ثقافة المجتمعات الشرقية -العربية- التي أصبحت فجأة ثقافة ضبابية لا تعرف من أين تمسك ماهيتها، وإن قلنا إن هناك ثقافة دولة و ثقافة مدينة وثقافة فرد ولكن يظل أنه يقاس تقدمها وتخلفها بما تظهره الصورة العامة و السائدة في المجتمعات لتصل للآخر. و بلا شك حين تنحدر الأفكار من جذور العشوائية تكون النتيجة ضبابية، وكأن صاحبها لازال في نقطة الصفر، وكلنا نعلم في الحساب أي رقم يضرب في الصفر تكون نتيجته حتما صفر، و السؤال هنا حين نتحدث عن ثقافة مجتمع أسيأخذ نتائج أخرى؟
فكما قال نزار قباني : “هناك ثقافة واحدة هي ثقافة القوة، حين أكون قوياً، يحترم الناس ثقافتي وحين أكون ضعيفاً، أسقط أنا، وتسقط ثقافتي معي، عندما كانت روما قوية عسكرياً، كانت اللغة اللاتينية سيدة اللغات.. وعندما سقطت الإمبراطورية الرومانية، صارت اللغة اللاتينية طبق سباغتي”.
ومن المفترض في القوة المقصودة هنا هي قوة المعتقد، و قوة ثبات المبادئ وليس المقصود فيها اتباع الثقافات الغربية، ما أعنيه أنه يتعين على الفرد السير على منهج القوة و يقف على ثقة بالخلفية التي ينتمي لها ويعززها لا يذهب للإدحاض بها، فما انهارت الثقافات السابقة لضعفها ولكن لإنصراف البشر عنها.
و إن رجعنا للوراء قليلًا في أفكارنا ومعتقداتنا التي حُشيت بقصص و روايات عن ثقافة حضارات قديمة لوجدنا أنهم قاسوا جوانب تخلفهم بربطها بقدر التعرَّي السائد لأجسادهم، إلى أن تطور الإنسان ليصنع من قطعة قماش مقياس لتقدمه، أما الغريب في الأمر حين تدرك كيف عاد ليعرَّي ليس فقط جسده إنما عرَّى عقله ليبان أنه فارغ، عرى أخلاقه ليرى سوءتها، عرَّى مبادئه المهزوزة لتتكسر بركلة خفيفة و دون أن يكترث بما اطلقه بجرأة وقاحته عن إنسان سبقه في الحياة لا يعلم عن ظروفه، دون أن يكترث ماذا سيطلق عليه الجيل القادم الذي سيدرك ثقافة مجتمعه الضبابية التي تخلت حتى عن قطعة القماش الصغيرة.
وإن قسنا التقدم في ثقافات الحضارات السابقة لوجدنا إنه إلى اليوم مازال هناك الكثير والكثير من بقايا إنجازاتهم وأثارهم يعجز إنساننا الحاضر الذي يملك كل التقنيات العالية أن يفسر أسرارها و لكن هي عادة الفارغ لا يملك إلا ملابسه ليتباهى بها، ثم عندما ينتظر الكسول من يطعمه ويلبسه لن يجد إلا من يبحث عن وعاء أو قنينة فارغة ليفرغ كل خردته فيها، وإن انتظرت العائلة من يربي طفلها سيأتي من يربيه و يبنيه لهم لكن بمجرد أن يكتمل سيجدونه كدمية بماركة مقلدة لا قيمة لها، فالمثير للشفقة في الثقافة الشرقية إنها بدأت تتحول و تستكين ليُختَم على أخر نفس لها بشمع خاوي، فلا إنجازات علمية أو تقنية تتحدث بجرأة عن قوتها، ولا عادات و أوضاع إجتماعية ثابتة تشبهها.
ثم حين تمحى الأرقام من المعادلة تضيع الحسابات، و كذلك ثقافة المجتمع تضيع حين تمحى الهوية منها، لربما كان خدعة ذلك كل الذي أعتقدناه حقيقة في حياتنا وبدورها رسمت لنا ما نعتقده اليوم حقيقة، فعن أي تاريخ سيتحدثون الأجيال القادمة وعن أي ثقافة؟ ففي أيامنا أصبحت كلمة ثقافة تجول كالجواد المكسور بين الأفواه، ولا يسمع إلا صهوة مخيبة ماثلة في فرد لمع في مجتمع كبير جدًا، ليكرم على مسرح كبير جدًا على أنه مثقف كبير جدًا؛ لأنه قرأ عدد كبير جدًا من الكتب، لتكون المحصلة كالعادة مجتمع حضر تكريم شخص ثم ذهب ليخلد في نوم عميقٍ جدًا عن الوعي المراد من الرسالة.
وليس للتشائم هنا سبيل لكن الصورة العامة تتحدث لأكون دقيقة في ما قصدته فإنني لن استغرب إن استيقظتُ يومًا ورأيت العالم كله يتحدث بلغة واحدة، وتفكير أحادي مؤطّر، و أسلوب حياة موحد، وكعادة مجتمعاتنا الشرقية التي تحب التقليد فحتما لن يكون كل هذا إلا تقليد لثقافة من عالم آخر، فثمة حقيقة واحدة إنها عندما لا يولِ أي مجتمع عناية لثقافته الأصلية التي تستحق الحفاظ عليها من الضياع والإندثار، يُعجل للقضاء عليها إلى أن تكون مندثرة أو شبة مندثرة.
فحقا علينا أن نسأل ثقافة المجتمعات الشرقية إلى أين ستصل؟ ومن الملوم في كل هذا؟
صحيفة عين الوطن عينك على الحقيقة