ريم المطيري
ذات صباحِ نقيّ، تأملت قوله صلى الله عليه وسلم «سلوا الله العافية فإنه لم يعط عبد شيئا أفضل من العافية».
“أفضل من العافية” !
هذا يعني أنها أفضل من كُل ماملك أغنى أغنياء الأرض! وأفضل من كُل ما حازت خزائن الدول!، وأفضل من كُل ماجُمع وما لم يُجمع من نفائس الدُنيا!
نعم إنها ببساطة العافية؛ وهذا ينفي عنها حصرها في مفهوم ضيق كالصحة فقط.
فالعافية في الدين، والعافية في الخُلق، والعافية في البدن، والعافية في العقيدة، والعافية في المال، والعافية في الولد.
وعافية الدين هي اكتماله من كُل نقص أو خلل، ونقاء السريرة من كُل مُعتقد أو زلل، والثبات عليه بعد كُل ضوضاء أو عبث، وهي العافية فوق كُل عافية فمن عوفي في دينه حاز الدُنيا والآخرة .
وأما العافية في الخُلق فهي حيازة مكارم الإخلاق، وإتباع السلوك الحكيم، والاعتلاء بالذات عن مكامن الرذيلة، والجهاد في نيل الفضيلة، وقد قيل في سالف الزمان ( أن يصحبني فاجر حسن الخلق أحب إلي من أن يصحبني عابد سيء الخلق).
وذلك لأن سيء الخلق مكروه لدى الناس وإن كان عابدًا زاهدًا ، وحسن الخلق محبوب عند الناس وإن كان آثمًا.
وهذا يذكرني قول ابي العتاهية:
قد يشرف المرء بآدابه **فينا وإن كان وضيع النسب
وأما العافية في البدن فهي ظاهرة لكل ذي لبُ بصير، فأنت تمشي بلا مُساعدة، وتنام بلا قلق، وتأكل بلا مشقة، وتسمع وتبصر وتتكلم وتهمس وتتنفس، ولو كتبت تفاصيل عافية الجسد كُلها لما أنتهيت ولما وفيت، فنحن البشر ذوو إدراك محدود، فما نراه ظاهرًا لنا عافية، وما لا نراه ويحدث داخل ابداننا عافية.
كان احد السلف اقرع الرأس، ابرص البدن، أعمى العينين، مشلول القدمين واليدين، وكان يُكرر بملئ فيه “الحمدلله الذي عافاني مما ابتلى به كثيرًا ممن خلق وفضلني تفضيلاً”
فمر به رجل وقال له مُتهكمًا: مما عافاك؟؟ أعمى وأبرص وأقرع ومشلول فمما عافاك؟؟
فقال : ويحك يارجل ؛ جعل لي لسانًا ذاكرًا وقلبًا شاكرًا وبدًا على البلاء صابرًا.
وأما العافية في العقيدة فهي سلامتها ونقاءها وصحتها، أن تولد لأبوين مُسلمين موحدين في حد ذاته عافية عظيمة من الله، لربما كُنت الآن تعبد بقرة أو تتبرك بقرد، أو تتقرب لصنم ما! لو لم يُعافيك الله في العقيدة، تلك والله نعمة عظيمة قلما يذكرها العبد ويشكر الله عليها.
وعافية المال بركته، وان يكون مصدره حلال، ومصرفه حلال، فحين تؤدى زكاته تلك عافية، وحين يُخدم بها الفقراء والضعفاء تلك عافية، وحين يُتصدق به قُربةً لله تلك عافية.
وعافية الولد تمام خلقه وخُلقه، وصلاح قلبه وقالبه، واستقامة عقله وسلوكه، تلك أمور بيد الله سُبحانه، وليست من صنع المُربي ولا من غرس المُعلم، فاسألوا الله العافية في الولد.
لا يقتصر مفهوم العافية على ماورد في مقالي المتواضع هذا، ولكنه يتجاوزها لكثير من الأحوال ، لذلك كان صلى الله عليه وسلم يقول ( اللهم إني أسألك العافية في ديني ودنياي وأهلي ومالي) ولعله الطلب الأشمل للعافية كُلها.
صحيفة عين الوطن عينك على الحقيقة