تهبِط في مداراتي مشيئة الليل وإرادة القمر، أتوسطهما وأميل قسرًا نحو وُجهة شعور اللحظة ، ولا أثبُت، ثمة خلل محمود يتسلقني فأميل بين نقيضين طيلة الوقت، ظلامٌ وضوء، شجن وسلوى.
أفكر كيف يكون لنسمة ما تتشكل في أية صورة القدرة لتمشيط الحقل المبعثر في جوفي!نسمة صغيرة لا تكبر ولن تكبر تُقصّف مخاوفي بشأن اليباس والتهلكة، فأقفز في حقل روحي كفراشة تحركها سجيتها في رشق الألوان،أستعيد من الذاكرة شكلًا لي وهو مذعور من قبضة الليل وأفكر كيف التقطني بعيدًا عنها شُعاع السلوان!
كيف تجاهلتُ الأشواك دفعةً واحدة واندفعتُ كطفلة تُشير باصبعها نحو السماء، وتفكر في أحجية السِعة!
وكيف تتزحزح ببساطة شديدة صخرة النهاية ويرسخ مكانها مخاض بداية! هل تتحقق ابتهالات الأمهات الآن!
هل نُبتكَر إلى غيرنا؟
أراني أستهلِك السؤال ولا أميز الصور! أتسلل للأشياء وأخترق صيرورتها كهواء لأفهم! أُشكك للحظة في كل شيء، وأتودد لأخرى لمآلي نحو كل شيء، وأفهم بالطبع أفهم أن ملامح الأشياء مرهونةً بي، وأنني أُسرّب لها ما تكونه في عيني معظم الوقت.
كنتُ أعرف أني أحوي أكثر من لون، كنت أكيدة في قرارة نفسي أن القاتم ليس وحده هُناك: أقول هذا لنفسي وأحرض فيها ديدنُ اليقين، وأواصل العدو بين الجهات المُتفتحة على بعضها في مخيلتي ولا يمكن أن أفرق بينها وأتخيّر، أركض فيها وأمرّ بوجه كل شيء وأضداده في ذات الوقت!
لا يمكنني إثبات منطقية ذلك لكنه يحدث، هناك في رأسي ويُعزز ذلك قلبي ويصدقه، يحدث أني أبقى في عتيم مُهلِك فيخترقني انعكاس القمر! يحدث أني في خضم السفر والموبقات ،تدنو مني هِبة الملاذ
يقتادني للرحابة ضوء ،ترتُق أثقابي نسمة
تُعرّي الظلام من استبداده نجمة: كُلها في عيني المُمتنّة تعني شيئًا متغيّر الوُجهة والهيئة
لكنه ثابت فيما يُحدثه من نجدة.
أحداث كثيرة تُحوطني كهلاك، أخرى تثبُت في عيني كبريق مُخلّد، أشياء تنكأ في مخيلتي تصوّر الألوان وتُبقي الذهن شاردًا في سواد نقطة، أشياء تلكُز صخرة القلب الطريّة فلا يعد هنالك أثرًا لصخرة وثَمّ أنا، أنا بكل ما يؤويني ويأوي إلي ويمزقني ويفتك بي أُصلِح كل شيء وأعني كل شيء بكل ما فيه من فظاعة أُصلحه بمحض نسمة وما يُعادلها لا يهتز لها سواي، لكني أهتز حدّ التجزؤ والالتحام! حتى أدركتُ أنني لا ينبغي أن أُلاحق وجهُ الأشياء الثابت الذي يمثل هرم السعادة المعتاد في حياة الجميع، لا ينبغي أن أعلق مصيري على نمط يتداوله الأغلب!لا يتوجب علي أن أركض نحو وُجهة لأن الركض نحوها يبدو منطقيًا؛ لا.
ينبغي ألا أتنمّر على الظلام والخوف والتيه والحُطام وكل ما له وجهًا قاتمًا، ألا أساهم في تشويه وجه الحياة الآخر فقط لأني تضررت وسئمت!
أدركت أنّ الألوان تصدُر من القتامة وتُنتج القتامة وتلتحم معها وتتماهى كثيرًا، كل شيء يحمل نقيضه فيه ومعه ولا يمكن فصلهما إلا من خلال الإنسان الذي هو أنا.
النسمة يومًا ما بدت لي عاصفة هوجاء، النجمة ارتأيت لمرات أنها سراب لشيء لن ألمسه مطلقًا،الألوان! ظننتُ أنها محضُ كذبة خبأتها أمي في طفولتي وقصصها كي أفتش عنها دائمًا ولا أملّ من اجتهاد البقاء ثُم انقلب وجه كل شيء وعرفتُ أني البوصلة، والوُجهة والفكرة، والدليل ورغم أني فشلت كثيرًا في تدوير الوُجهات إلى صالحي لكني سعدتُ جدًا بحقيقة احتواءنا على منجاتنا وإن لم نُحاصرها مبكرًا سوى في إدراك.
الإدراك يستمر بتعتيم اللحظة وتلوين الأخرى دومًا، ومن أجل مزية البقاء أُرخي قبضة انتباهي المسعور للملاحم التي تتكدس في رأسي وأسترخي قليلًا قليلًا،
أصلي لسرب مجتهد، متكاتف في صدري ،أُهندم معالمي العتيقة أُخيط قصصًا فريدة ببعضها وأتلفع بأبدية الأخيار ،وأنطلق في مشيئة الله كالمستجدّ في المرحلة العارف بكفائته والمتأهب للعثرات والمثابر لنيلِ الخلاص دائمًا في اللحظة وما يليها:
الخلاص الذي يعني أن تُزهِر في عيني الألوان
مهما كان حدّ السكين قريبًا من عُنق الروح
ومهما بدا وجه اللحظة وحشيًا ولا يمكن تلافيه،
مخلصة لذريعة العيش، كما تُخلص فراشة تدرك موتها القريب، أتخلص من خُذلان المُخيلة
وأُلخص كل ما سبق؛ لأُرشد روح المؤمن الوجل في داخلي من رُهاب المستجدات.

