تسعدني تلك اللحظة الشعورية حينما يرسلُ لي صديقٌ برسالةٍ تحملُ في طياتها الأخوة الصادقة، فيبدي فيها المشاعر الصادقة، ويستجلبُ الذكريات الجميلة في طياتها، ويستحضر العبارات الرائقة، ويزداد جمال الرسالة عندي حينما أدرك أنّها رسالةٌ أخوية لم تخرج إلا مِن لسانٍ صادق، ولم تُكتب إلا بقلمِ محبٍ.
إنْ كان مِن وصفٍ للصديق الوفيّ فليس هناك أفضل من المثل العربي الشهير “رُب أخٍ لك لم تلده أمكَ”، وهو مَثلٌ من الأمثالِ التي تُقال في موقفٍ خاصٍ بعبارةٍ موجزة، ثمّ يصبح كالقاعدة العامة التي تدخل تحت أفرادها صورٌ كثيرةٌ، فيطلق هذا المثل وأمثاله على كلّ موقف يشابه الموقف الذي قيلت فيه هذه العبارة.
ويشير المثل إلى العلاقةِ الحميمةِ التي تكون بين الصاحبَينِ، وهي -للذي لم يدركها- علاقةٌ تجاوزت الصحبة وارتفعت؛ لتتحقق معها المحبة الصادقة، وصار هذا المثل يستعمل في إعانة الرجل لصديقه وصاحبه وانخراطه في سلكه، حتى أصبح الصديق أخاه قولاً وفعلاً، وكأن المثل يتمثل قول الشاعر:
أعاذلة كم من أخٍ لي أودده على كريمٍ لم يلدني والده
إنّ الأصلَ في اختيار الصديق أن يكونَ على مثالِ قلبكَ، فتحاوره كما تحاور نفسك بلا احتراسٍ ولا تحفظ، ولا تضطر عند الكلام معه مِن أخذ الحذر في كلامك؛ لأنه يفهم خطابك دون إساءة الظن، أو حمله على أوجهٍ بعيدة أو غريبة، وبهذه القاعدة تعرف صاحبك مِن غيره، فإذا كنتَ مع غيرك محترساً في كلامك، أو متحفظاً في أفعالك فاحكم أنّه ليس بصديق، ولن يكون، نعم قد يكون زميلاً أو لك به معرفة عامة، وما أكثرهم!
صديقكَ مَن إذا غابَ عنكَ قلتَ: غابتْ نفسي عن نفسي، وفقدتُ روحي عن روحي، ولو بعدت بينكما المسافات فالقلوب قريبة؛ لأن الصديقين لا يحول بينهما بعد مكان، فالصداقةُ التقاءٌ روحيّ قبلَ أنْ يكون جسدياً، وهو كذلك مَن يلبي حاجاتك، ويتفقد أمورك في حضورك أو غيابك، وتأتمنه على سائر أحوالك وأسرارك ما حسن منها وقبح.
قد يسألُ عن حالكَ كثيرون، ويحنو عليك ويرحمك بعض معارفك، لكنّها تبقى أنّها رحمة المتعالي بالوضيع، لا رحمة المحب بحبيبه، ولا حنان الصديق بصديقه؛ لأنّ رحمة الصديق وحنانه بصديقه شيء آخر، فهو يبذل في البرّ بك ما يملكه سواء سألتَ البرّ أم لم تسأله.
ليس هناك أرقى من أن تعلو الصداقة وترتقي الصحبة، فيتجاوز الصديق معاني الصداقة إلى معاني المحبة والخلة، ذلك أنّ الصديق هو مَن يفرح لفرحك، ويحزن لحزنك، وفوقه رتبة أعلى وهو الخليل الذي يفرح لفرحك ويحزن لحزنك وتخللت محبته لكَ في أعضائه، وفوقهما منزلة المحبة؛ لأن الحبيب مَن جمع بين صفات الصديق والخليل، وزاد عليهما في أنّه يفديك بماله، فالمحبة أعلى المراتب.
احرص على ودّ صديقك مهما أمكنك، وابتعد عن صاحب اللحظة، فلا خيرَ فيه؛ لأنّ مَن حركته المصلحة أو الحاجة لا خيرَ فيه؛ وهو لا خيرَ لنفسه في نفسه، فلغيره أولى، وكررْ شكرك وامتنانك لكلّ صديقٍ وفيّ، وأظهرْ عبارات الحب لشقيق روحك، وانتهز كلّ فرصةٍ للحديثِ عنه والثناءِ عليه.
صديقك مِثالُ قلبك
المشاهدات : 134
التعليقات: 0
