أكثر من مليار شخص حول العالم هم قيد الانعزال المنزلي، حماية لأنفسهم ولأهليهم ولمجتمعاتهم من تداعيات جائحة كورونا، وحتى لا ينفرط الوباء ويحكم الفيروس قبضته نلتزم بالتعليمات الصادرة عن منظمة الصحة العالمية والجهات الصحية المسئولة فقط، ونتجاهل الأخبار الصادرة من جهات غير مسئولة.
ومع ذلك خلال هذه الجائحة هنالك مثالب سلبية قد تظهر ومنها الأثر النفسي فالإنسان كائن حي اجتماعي على الفطرة، ولكن الانعزال والتباعد الاجتماعي الحالي هو السلاح الأقوى والأهم لمواجهة فيروس كورونا، ونقضي عليه تماماً بإذن الله في حال التزامنا بالتوجيهات والتعليمات الصادرة من الجهات الرسمية المسئولة.
سأذكر هنا بعض الممارسات السلوكية التي تسهم في المحافظة على الصحة النفسية خلال الانعزال المنزلي والقدرة على التمتع بمرونة عالية لمواجهة الضغوط والأوضاع الاستثنائية:
أولاً: محاولة الاستمرار على روتين يومي معين شبه ثابت، الروتين المحدد مريح أكثر ولا يجهد البدن والتفكير في كيفية إدارة الوقت، بالذات في حال كتابة الروتين اليومي والأهداف التي ترغب بعملها في اليوم التالي والأسبوع الذي يليه وهكذا دواليك، الروتين مهم للكبار والأطفال على حد سواء، وفقاً للعديد من الدراسات العلمية التي تشير إلى أهمية المحافظة على روتين يومي بتقسيم المهام ومنها النوم ووقت الاستيقاظ ووقت تناول الوجبات والرعاية والعناية وممارسات الأعمال المنزلية و ممارسة الرياضة ووقت التواصل الاجتماعي عن بعد ونحوه وهو ما أشارت إليه بروفيسور الصحة النفسية (سيراني) بجامعة أديلفي بأمريكا، بدون الروتين يزيد التفكير والجهد الذهني في كيفية ملء الوقت وبدون روتين يومي منظم قد تتأثر صحة الجسد بالذات فيما يتعلق بأوقات النوم والاستيقاظ، عدم وجود الروتين تظل الخيارات عديدة والمهام غير واضحة وقد يضيع الوقت ولم تحدد العمل الذي ترغب بأدائه، لذلك جدولة المهام وكتابتها قبل أدائها بيوم أو يومين يسهل المهمة ويحفظ الجهد الذهني، ومع ذلك تجنب تأنيب الضمير والغضب في حال عدم الالتزام بالجدول مهم، للوقت متسع ونحن في مواجهة الجائحة أشبه ما نكون بسباق ماراثون يفوق العدو السريع في القدرة على التحمل.
ثانياً: ممارسة التمارين الرياضية بالمنزل، من أهم الوسائل للمحافظة على الصحة الجسدية والنفسية، اتباع تمارين رياضية في أوقات روتينية محددة، كفيلة بتعزيز الصحة والتمتع بمرونة نفسية عالية، يمكن شراء الأدوات الرياضية أون لاين، ويمكن استخدام أدوات رياضية قديمة بالمنزل، ويمكن ابتكار أدوات رياضية باتباع وسائل آمنة وطرق صحية من خلال استشارة جهة رياضية مسئولة، ويمكن ممارسة الرياضة بدون الأدوات من خلال تحميل تطبيقات رياضية أو مواقع رياضية إلكترونية متخصصة تقدم دروس ودورات مجانية أو برسوم.
ثالثاً: البقاء في حضن الطبيعة، إذا كنت تملك حديقة منزلية سواء بفناء المنزل أو بالسطح العلوي أو تزرع مجموعة من النباتات والأزهار بالبلكونة من الجميل المكوث واستنشاق الهواء المتجدد بالذات بالفترة النهارية والاستمرار على ذلك الروتين اليومي، تذكر بعض الدراسات أن البقاء أو السير في أماكن تتخللها الأشجار والنباتات تسهم فعلياً في تخفيف حدة القلق والتوتر والسأم وتخفض مستوى ضغط الدم، وتذكر الأبحاث البيئية أن التواجد في البيئة النباتية تدعم الأثر الإيجابي على النفس والجسد.
إضافة لذلك أود أن أشير إلى أهمية تجدد الهواء داخل المنزل والغرف يومياً، ودخول أشعة الشمس إلى الغرف جميعها، هنالك من البكتيريا التي تنمو وتنتعش في حال وجود الظلام والرطوبة.
رابِعًا: التغيير داخل المنزل، تغيير توزيع الأثاث ومقتنيات المنزل، وأعمال الصيانة الخفيفة والنظافة الدورية والتنظيم و إتلاف الأشياء غير الضرورية وترك مساحات فارغة داخل المنزل، كلها تشعرك بالقيمة والإنتاجية، وهذه المهام من الأفضل كذلك جدولتها لروتين لتصبح روتين متكرر، ومن المهم التنويه ألا يتحول هوس النظافة إلى سلوك وسواسي قهري (أي يكون في نطاق اتباع التعليمات الصحية وفق الآلية والوقت المحدد للنظافة، وقد ذكر ذلك جلياً المتحدث الرسمي لوزارة الصحة)، فالوسواس القهري المرتبط بالنظافة هو أحد الاضطرابات النفسية ومن الممكن في ظل الأحداث الضاغطة الحالية (تجاه التعامل مع فيروس كورونا) قد ينشأ توتر وسلوك صارم بالذات لدى الأشخاص الذين يعانون من اضطرابات نفسية أخرى وهذه المعاناة تنتقل إلى أزواجهم وأطفالهم معهم.
خامِساً: ممارسة التفكر والتأمل والاسترخاء، والسكون والتفكر في آيات الله، والخلو بالنفس بعيداً عن وسائل التقنية والتشويش البصري والسمعي (بالذات الجوال) و باختيار الوقت المناسب لذلك، والبعض يختار جوف الليل وأماكن معينة بالمنزل لممارسة هذا الروتين، والتأمل والتفكر يبعث السكون والسكينة نحو الذات وتقوية ملكة الاستبصار واستشعار النعم الإلاهية ، وتحث الفرد على مراجعة أفكاره وآرائه وإعادة التفكير في انفعالاته وما آلت إليه تصرفاته، وإلى أين يسير وهل الحياة ذات لون واحد وطريقة واحدة وهل ما يغضبنا يستحق الغضب وما يسرنا الآن ذات نفع وفائدة بقادم الأيام، وهل للحياة معنى ومغزى نعيشه أم نأكل لنعيش ونعيش لنأكل، وماهي قيمة الفرد نحو ذاته وأسرته ومجتمعه، وهل لوظيفته الحالية هدف يصبو إليه، ولرعاية أطفاله والعناية بهم وحرصه على اكسابهم الأخلاق الحميدة والعادات الأصيلة غاية يتأملها (ولا يمكن ذلك حتى يستقم الفرد نحو ذاته (استقم يستقم بكم) سواء أب أو أم ويتعلم منهم الأبناء بالمحاكاة والتقليد)، جميعها أسئلة ذات أثر عميق في توجيه إدراكنا نحو الحياة وما بعد الحياة، لذلك تحتاج إلى سكون وسكينة، وتحتاج إلى استرخاء ذهني للتأمل والتفكر.
سادساً: التواصل مع الآخرين، في ظل الظروف الحالية التواصل الآمن الوحيد هو التواصل عن بعد، ومن الأهمية الاستمرار بالتواصل والاطمئنان على الأهل والأصدقاء بشكل مستمر، كما ذكرت الإنسان كائن حي اجتماعي على الفطرة، ويذكر (العالم أبراهام ماسلو) هرم ماسلو للحاجات الإنسانية (هي نظرية نفسية قدّمها العالم أبراهام ماسلو بورقته البحثيّة تحت عنوان “نظريّة الدافع البشري” عام 1943م) ومنها الحاجات الاجتماعية أي الحاجة للانتماء والتواصل مع الآخر والقبول ممن حوله من الأسرة والأصدقاء والمجتمع، وقد أثبتت دراسة طولية قامت بها جامعة (هارفارد) لفترة زمنية ممتدة لنحو80 عامًا تقريبًا، أن النجاح في بناء العلاقات الشخصية والاجتماعية (محيط الأسرة والأصدقاء) يساعدنا على العيش لفترة أطول ، وأن نكون أكثر سعادة، لذلك استمرار التواصل يزيد الاستقرار والاتزان النفسي ويبعث الطمأنينة، ويرسل رسائل إيجابية في الظروف الراهنة (لست وحدك)، كل البشرية من حولك تمر بأوضاع عصيبة وظرف زماني ومكاني غير مسبوق.
سابعاً: التطوع، من الأعمال الإنسانية الأولية، والتي رافقت الوجود الإنساني ولا زالت، فالإنسان مهما بلغت به السبل يظل يحتاج إلى الآخر، والبناء الاجتماعي لا يستقيم بدون التكاتف والتعاضد الاجتماعي، وفي ظل الظروف الحالية تكمن أهمية التطوع سواء بالجهد أو المال أو الغذاء أو الوقت، و الأعمال التطوعية نفعها لا يقتصر على المتلقي، إذ أن المتطوع يحتسب الأجر من عند الله عز وجل، ويشعر المتطوع لذلك العمل الجليل بقيمة أعماله ودوره في سعادة إنسان على الحد الأدنى أو مجتمع، وذلك يزيد من الرضا عن الذات.
ثامِناً: التغافل، والتغاضي عن صغائر الأمور.
قال الإمام الشافعي (رحمه الله): (الكيّس العاقل هو الفطن المتغافل)، وقال الأعمش (رحمه الله) : (التغافلُ يُطفئ شراً كثيراً)، المرحلة الحالية حرجة لكثير من الوظائف، وأشبه ما تكون بتقاعد مبكر إذ المكوث الطويل بالمنزل، وما يرافقها من اضطرابات وتغير نمط الحياة والأعمال والأدوار اليومية، وفيها يحتاج الشخص لتعلم فن التغافل والتغاضي وتجنب الإصدار الكثيف للتوجيهات والتعليمات والتدخل في كل صغيرة وكبيرة، وتجنب القيام بكل الأدوار والتحقيق والتعليق والتدقيق المستمر، هذا الجو من المراقبة يخلق نوع من التوتر والشحناء، وقد يصاب الفرد بأمراض مزمنة جراء ذلك، في الوقت الذي يحتاج فيه الفرد إلى النفس الطويل فالمرحلة قد تطول وهي غير محددة المدة.
أخيراً، هذا التوقف المفاجئ للأعمال يضعنا في مواجهة الذات، كيف نقضي أوقاتنا وما هي أولوياتنا وماهي برامجنا خارج حدود المهنة أو الوظيفة، بالرغم من الأهمية القصوى لوجود العمل في حياة المرء، أو كما يقول (فيكتور فرانكل): للعمل أهمية في عيش حياة ذات قيمة ومعنى، بالمقابل عدم وجود عمل كفيل بالإصابة بالأمراض الجسدية والاضطرابات النفسية، ووجود معنى للحياة تمنح الفرد سبباً للمواصلة والمضي قدماً والاستمرار في المقاومة وقمع الرغبة الداخلية الملحة للوهن ورفع راية الاستسلام.

