خلق الله سبحانه وتعالى الناس وقدر أرزاقهم وجعلهم يتفاوتون في قدراتهم البدنية والعقلية ويختلفون في ظروفهم وإمكاناتهم الاجتماعية والاقتصادية، وسبحان القائل في محكم كتابه: {نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات ليتخذ بعضهم بعضا سخريا} سورة الزخرف، الآية: 32
فقضت حكمة الخالق عز وجل أن يسخر بعضنا لبعض لتبادل المنافع وقضاء الحاجات، لأن الناس يتفاوتون بين قويٌ صحيحُ الجسد يستطيع القيام بكل متطلبات حياته بنفسه، وبين ضعيفٌ ومريضٌ وعليلٌ الجسد يحتاج لمن يعينه على قضاء ضرورات حياته المختلفة.
كما يتفاوت الناس في الرزق والدخل، ولهذا تفاوتت الناس على اختلاف مستوياتهم الاجتماعية والاقتصادية، فهناك الغني والفقير وهناك العليل والصحيح ولهذه الأسباب وغيرها نشأت حاجتنا إلى بعضنا بعضاً لكي يستطيع كلٌ منا على حدى التعامل مع هذه الحياة فكانت ظاهرة” الخدمة” وهي ظاهرة إنسانية عرفها الإنسان منذ القدم.
والجدير بالذكر هنا أن الخدم اليوم هم ليسوا عبيد أمس فلقد كفلت الدولة والأنظمة حقوقهم، ولقد وُجِبَ على من يعلمون لديهم أن يوفروا لهم عقداً يحفظ راتبهم وأجرتهم وكافة مستحقاتهم، ومهنة الخدم مثلها كبقية المهن، لا ينقص أصحابها شيئاً عن نظرائهم من أصحاب المهن المختلفة وهي كذلك مستحقة الاحترام والتقدير من المجتمع ككل ومن أفراده، ولكن بلا شك أن بعض الناس الذين يستقطبون الخدم الآن يقومون بمعاملتهم معاملة سيئة وتعذيبهم بشتى أنواع العذاب سواء كان عذاباً جسدياً أو نفسياً ويقومون بتجرعهم من كأس الأذى ألواناً وصوراً، ومن أخطر أنواع الأذى وأكثره صوراً الأذى النفسي الذي يترك في النفس علامة لا تذهب مع مرور الزمن، فيبقى تأثيره السلبي على الذات دائماً. ومن صور الأذى النفسي ما يلي:
– تكليفهم بما لا يطيقون من أعمال منزلية.
– عدم الاكتراث بهم حين مرضهم وعدم تقديم سبل العناية والراحة التي تعينهم على تقديم وإتمام الأعمال على أكمل وجه.
– عدم مشاركتهم حالات الحزن والفرح.
– إطعامهم بفضلات الطعام وكسوتهم بالملابس الرديئة المختزلة.
– عدم مراعاة شعورهم الإنساني، ولقد نلاحظ هذا الأمر كثيراً في مراكز التسوق فتجد “الخادمة” واقفة على باب المطعم تشم رائحة الطعام من بعيد وتشتهيه في حين تجد الأسرة في الداخل يأكلون ويضحكون ويتمتعون دون مراعاة الشعور النفسي لهذه الخادمة وما تشعر به من انكسارٍ وذلٍ في هذه اللحظة. وغيرها من المواقف الكثيرة التي تغفل عنها بعض الأسر غير مراعين ما يرتبه هذا الموقف من آثارٍ سلبية على ذواتهم البشرية.
لماذا لا يعي هؤلاء أن الخدم بشر مثلهم مثلنا ولكن جرت عليهم الظروف أن يتركوا بلادهم ليأتوا إلينا ويقوموا بخدمتنا، وشاءت عليهم الأقدار أن لا يمتهنوا إلا هذه المهنة فلا شك أن لكلِّ شخصٍ أسبابه وظروفه وقدره الذي كتبه الله قبل أن يخلقه بخمسين ألف سنة. إذاً فلا داعي للتكبر عليهم ولا التقليل من شأنهم ولا معاملتهم معاملة سيئة بذيئة، فديننا أساسه المعاملة الحسنة والأخلاق الفاضلة، ولماذا لا يوقن هؤلاء حديث الرسول صلى الله عليه وسلم الذي أخبرنا فيه أن الله عز وجل قد عذب امرأة وأدخلها النار؛ لأنها قست على هرّة فما بالكم بالذي يقسوا على إنسان! أولم يحسبوا هؤلاء حساب الذين سيقفون فيه أمام الله تعالى لمحاسباتهم، كيف غفلوا عن الكتاب الذي لا يغادر صغيرةً ولا كبيرةً إلا أحصاها؟ وكيف لا يفكرون بأن تعاملهم مع الخدم وخصوصاً غير المسلمين منهم نعمة وهدية من الله فهم بهذا سفراء للإسلام؟ لذا وجب عليهم أن يعاملوهم بأخلاق حميدةٍ تساهم في نشر الصورة الفاضلة للإسلام وقد يسهم ذلك في دخولهم في دين الله أفواجاً.
إنني أريد أن أوجه سؤال لهؤلاء الذين قلوبهم قاسية: ماذا لو كنتم مكانهم كيف تحبون أن تعامَلُوا؟
صدقوني إنكم لو وضعتم هذا السؤال نصب أعينكم بكل تأكيد ستغيرون معاملتكم تجاههم.
ولقد كان في رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة ونموذج يتبع في تعامله مع الخدم فلقد كان صلى الله عليه وسلم رقيقاً حنوناً عطوفاً معهم، فعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: خدمت النبي صلى الله عليه وسلم عشر سنين، فما قال لي أفٍ قط، ولا لم صنعت؟ ولا ألا صنعت؟. (رواه البخاري). ولقد كفل لهم الرسول صلى الله عليه وسلم جملة من الحقوق توفر لهم حياة كريمة إنسانية ومن أهم هذه الحقوق ما يلي:
– إعطاؤهم حقهم كاملاً غير منقوصٍ.
– عدم إهانتهم والمسّ بكرامتهم.
– الرّفق بهم والشفقة عليهم، فلا يُكلَّفون ما لا يستطيعون فعله.
– مساعدتهم في أعمالهم والإنفاق والتصدق عليهم.
– الأكل والشرب معهم ولو بضع لقيمات.
– الحذر من ضربهم وإلحاق الأذى بهم.
– العفو والصفح عنهم، وتفادي معاقبتهم والصبر على ذلك.
– تفقّد أحوالهم والاطمئنان عليهم، وتقديم يد العون لهم.
– الابتعاد عن الاختلاط المحرّم وعدم التهاون فيه، واتباع أوامر الشرع في حدود التعامل معهم.
– تأمين المسكن المناسب لهم وإرشادهم وإسداء النصح لهم.
حسناً ماذا يبقى؟!
يبقى أن أقول:
إن الخدم إخواننا خِوَلُنا بدونهم لا نستطيع القيام بأعمالٍ كثيرة، فلا داع للتكبر عليهم وذلهم والتقليل من شأنهم، ويفضل التعاون معهم ومساعدتهم على إتمام أعمالنا، قال الله تعالى:(وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان) وأن نجعل الميثاق الذي بيننا وبينهم يكون قائماً على المعاملة بالأخلاق الفاضلة والمكارم الحسنة التي حثنا الله ورسوله صلى الله عليه وسلم عليها. ولقد قال الشاعر:
أحسن للناس تستعبد قلوبهم
فطالما استعبد الإنسان إحسان
