إن مايشهده العالم من آثار كارثية لجائحة فايروس كورونا المستجد ربما كانت هي الأخطر في زماننا المعاصر. منذ 28 مارس/آذار 2020 ، حيث تسببت جائحة كورونا في فرض حظر التجول في عدد من الدول والذي بدوره انشأ لنا بطالة جماعية وضعت الاقتصاد العالمي في مأزق كبير، وجاء ذلك في وقت تعاني فيه كثير من الدول بالفعل من أزمة اقتصادية عالمية .
ذلك المنع الذي شهدته كافة الدول وصل حتى ارضنا المباركة المملكة العربية السعودية على وجه العموم وفي مكة المكرمة على وجه الخصوص ، حيثُ أنها من أكثر مدن المملكة إصابة بالمرض ، ومن خلال هذه الأزمة شهدت العاصمة المقدسة اعمالا تطوعية واغاثية نوعية، بدءا بـ (برا بمكة) التي نادى بها دايم السيف في مكة المكرمة صاحب السمو الملكي الأمير خالد الفيصل ، والتي تبعها الكثير من المبادرات التي بينت لنا معادن الرجال في هذا البلد المبارك ، وكذلك صاحبة السمو الملكي الاميرة الدكتورة أضواء بنت فهد بن سعد آل سعود التي اطلقت برا بأهلنا في منطقة الرياض وتكفلت بمبادرة ليتهم يسمعوني في مكة الخاصة بالصم ، ولا يخفى علينا مايفعله الكثير من رجال الاعمال الأبطال الذين ضربوا أروع الامثال في البذل والعطاء وعلى رأسهم رجل الاعمال المعطاء الأستاذ مطلق الغويري الذي تكفل بسلال غذائية كمرحلة أولى تُقدر بـ ٥٠ الف سلة وبقيمة ١١ مليون ريال ، توزع يوميًا على متضرري الحظر في كافة أنحاء مكة المكرمة ومازالت مبادرته مستمرة بالبذل والعطاء حتى اليوم ،بالإضافة لما يقدمه هذا الرجل في باقي مدن المملكة العربية السعودية والذي أن صح التعبير أنه ينفق ويبذل في أوجه الخير ، بذل من لا يخشى الفقر ، وقدم نموذجاً رائعاً لرجل الأعمال الذي يبذل ويعطي من أجله وطنه ، وسخر جزء من تجارته لمساعدة أبناء هذا الوطن المعطاء .
ثم انبرى ذوي الهمة العالية وأصحاب القلوب البيضاء من محبي التطوع من شباب وشابات مكة المكرمة ليدعموا ذلك الخير الفياض بما يستطيعون من جهود فهاهم يبذلون الجهد والمال والوقت في إيصال وتوزيع تلك السلال والوجبات الغذائية كإفطار صائم لمستحقيها في جميع احياء مكة المكرمة ، بقلوب ملؤها حب الخير يواجهون يوميًا خطر الإصابة وحرقة الشمس وصعوبة الوصول بين جبال مكة الشامخة في سبيل ما آمنوا به من حب الخير والعطاء ، على الرغم من أن بعضهم قد يكون من أهل الزكاة ومستحقي الصدقة ، ولكن حبهم لما عند الله انساهم حب مافي الدنيا.
ولكن ما يدمي القلب ويحرق الضمير أن بعض المستثمرين من أصحاب المطاعم والمطابخ الذين وصلت لهم تبرعات إفطار صائم قد ادخلوا قيمة التوصيل والتوزيع مسبقًا ضمن قيمة الوجبات ، واخذوها من أموال المتبرعين ، ولكنهم فعليًا يستغلون المتطوعين ومحبي الخير في الإيصال والتوزيع اليومي المجاني للوجبات ، في حين انهم لو أعطوا تلك المبالغ لهؤلاء المتطوعين كمكافئات تعينهم بعد الله على هذه الأزمة لكان خيرًا لهم، وهو حق لا يتنازع عليه اثنين لمن يقوم بإيصال الوجبات وتوزيعها تطوعًا منه، ولا يجوز بإي حال من الأحوال أخذها من أجل زيادة أرباحهم بدون وجه حق وإضافتها إلى مدخراتكم بينما يتكبد المتطوع كل تلك الخسائر المادية والمعنوية في ابشع صورة من صور الاستغلال.
نحن مجتمع إسلامي متكاتف كالجسد الواحد إذا تداعى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى ، وقد ضربنا خير مثال في هذه الأرض المباركة في التكاتف والبذل والعطاء ، وأخشى أن يكون حال المتطوعين ينطبق عليه قول الشاعر كالعيص في البيداء يقتلها الضمأ والماء فوق ظهورها محمول ، إن من واجبنا الاجتماعي أن نلتفت لتلك الفئة المتطوعة بالجهد والمال والوقت والصحة ، ونمنع استغلالهم ونضرب بيد من حديد على كل من تسول له نفسه استغلالهم ونهب ماهو حق لهم بأي شكل من الاشكال.
وهنا نداء للجنة السقاية والرفادة وهي الجهة المعنية بالإشراف على وجبات إفطار صائم ، بأن تُلزم أصحاب تلك المطابخ بإخراج نسبة التوصيل والتوزيع المضافة على قيمة الوجبة لأنهم لم يقوموا بالتوزيع فعليًا ، وإعطاءها للجهات التي يعمل تحت مظلتها هؤلاء المتطوعين ومن ثم تسليمها لهم لقاء ما يقومون به من جهد بسياراتهم ويتحملون وقود تلك السيارات من جيوبهم الخاصة حباً للخير وابتغًاء لمرضاة الله، بالإضافة إلى أنها حق لهم ، وهم من أهل الزكاة وأصحاب الحاجة.
