تلك اللحظة التي طالما خشيت دنوها، اسمع صوت خطواتكِ تبتعد، والسماء تنهمر بهتانٍ خفيف، وحفيف الأشجار يمتد، والقش تحت قدميك المُبتعدتين يتحطم كقلبي ويندثر، لاشيء هنا سوى ظلام الليل البهيم ينتقل بين ضلوعي المكلومة المضطربة ، لم يكن بيني وبينك إلا بضع خطوات، سُرعان ماتفاقمت وأصبحت آلاف الكيلومترات.
لازلت اشم عطرك في كفيّ، وبضع خيوط من فستانك الأبيض المشع يكسر لون الظلام، ثم يتوارى خلف ستائر الليل إجلالاً لمن رحلت!
أشعر أني بقيت منزويًا منعزلاً وحيدًا بين حشود من القلوب النائمة، وكأنه لم يعد لي هُنا شيء فكُل مافي جوفي غادرني معكِ.
أقسمتُ في ذلك المساء الذي وقفت به وحيدًا بدونك، مشدوهًا من فرط مافعله الفراق بقلبي، أن آخذكِ في كنفي وأغطيكِ عن العيون حتى لا تراكِ ،وأسير بكِ وحيداً بعيداً
لا أمً تسألكِ ولا أباً يخشى عليك ،حتى اتوارى بكِ عن الناس غيرةً وحباً.
أي فتاةً انتي ؟
من أي كوكباً أتيت ؟
أأنتِ من هنا ؟ أم من أرضاً غير أرضنا ؟
أن قلتِ أنكِ مثل الفتيات الآخريات
قلت لكِ لم أرى بينهن من تشبهك
وأن قلتِ من كوكبنا
قلت لكِ قد قضيت فيه أربعين عاماً ونيف ولم أراك به
بالله عليك قولِ لي من أين أنتِ؟؟
اجيبي فإني أدور في متاهاتِ تفكيرٍ آسر، أغفو وأشيح مُتأملاً يعتريني طيفك فأغدو مُثقلاً بمئات الصور والعبر، اتلبس الحرف تارة ويتلبسني فأشتعل بالوله وتضطرب حالتي ويختفي من أمامي معالم طريقي، اتوه واتوه حتى يعتريني الرعب ، كمن يسير في درب طويل، طويل جدًا ولا ينوي الوصول.
لففتُ عمامتي، ثم صوبت خُطاي على أثر خُطاكِ، لامني الجميع على اتباعي مهب طريق قد لايُدرك، لم أكن اسمعهم، ولا أراهم، تركت خطواتي تتهلل ركضًا في طريقكِ، نبشت عن مُستقرٍ يمسح ما في قلبي من كمد، مُستقر أسألكِ فيه عن البدء وعن الخاتمة، مُستقر أجد فيه جوابًا يقيني عن كُل اسئلتي وحيرتي.
حتى وصلت لذلك اليوم..
الذي قضيت فيه ما أقسمت، بأن اتبعكِ للنقطة الأخيرة من عالمكِ، واستأصلكِ لتكوني عالمي، مُخبأة هاهنا مابين قلبي وضلعي، وحولك عُقدة الحُب التي لم تزل باقيةً مابقيت الروح في هذا الجسد.
