كُلٌ منا الآن في مواجهة مع ذاته لا يُقاطعها شيء، حيث صوت الأعماق شديد الوضوح،والشعور مُضخّم ويعربد، والفواصل التي تُضعّفه مُغيّبة في الجهالة، نُطالع المعنى في كَنهِ الأشياء التي تُحوطنا ولم يبق غيرها ،ونجتبي فيها شرارة عزاء للمقاومة، للانتظار، للرؤية التي لا تتخللها قتامة، ولكنها مُحاولة يتيمة لا تُلغي هيمنة الحدث ولا تُبدده، تنصاع له دواخلنا وليست صارمة بشأنه؛ لأنه أسى مُشتَرك، رائحة احتراقنا بشأنه عالقة في كل مكان، مما يُصعّب فكرة أن تكون الدواخل منيعة على الدوام أو حتى يتواتر فيها الوهج، يُحتم عليها غالبًا أن تهمد وتنكمش في ظل الجماعة وفيما بينها وبينها أعتى وأشد..
هذا الشجن إثر كل الذي تعطل عن فاعليته: مُرّ لا يُستساغ تجاهله، لا ملاذ يُبدد وحشته ولا نافذة تتفتّح في وجه هذا الاختناق.
إن الحرمان في جميع الأصعدة لعنة تُوجِب الشقاء، يتحيّن المرء طوال حياته إحساسات عذبة حتمية لا تأفل تناهض أحاسيسه الشقية في معظم المُجريات الكونية وفي ضوضاء أليفة تبثها الطبيعة والأماكن الرائقة والملامح، ما عدا هذا الصمت المهول مقرونًا بالترقب المُنهِك كل شيء يؤول للعدم.
نحاول الاصطفاف بمشاعر موحّدة يترأسها الذُعر ويحكُمها الرجاء، منشغلون عن أحزاننا الخاصة وأقدار حياتنا الشخصية، لعلنا بهذه الوحدة نُشكل نسيجًا متآزرًا متآخيًا فنُعصَم من كل فظاعة ونغتسل في اعتصامنا بلُطف الله، لعلنا نُحقِق الغاية من كل كارثة بشيءٍ من الندم واستجداء المغفرة بشأن أخطائنا الصغيرة وآثامنا في كل بقعة؛ نترقّى ونستدرك كل شيء، لعلنا نعتني بحيواتنا بصيغة أكثر إجلالًا لها ولنعمة أننا أحياء! أليست هذه الغاية من كل هزة؟
أليست اليقظة اغتسال؟
نندفع بشراهة نحو يقظة شعورية تتحيّن النجاة والعفو عما سبِقها من غفلة،كل شيء عادي ومألوف يبدو الآن أشبه بمكافأة قيّمة وضخمة، بل يبدو كل المُنى، كل شرخ تافه في أجدرة الحياة خارجًا يُعادل لوحة ثمينة في غرفة مغلقة، يفوقها قيمة وجدوى ورغبة، كل هذا التوق اليتيم لعله العقاب الأقسى لألحاظنا التي لم تلتفت للحياة بعين الامتنان قط! هل يُمكن أن يكون كذلك؟
لطالما أحببت فكرة الحياة حتى وإن كنتُ أنظر لها من بُعد شاهق، وحتى عندما تجاوزتني ودهستْ حماستي وألقتني في المصاعب، أحببتها لجوهرها وللغاية التي أنشدها منها، وللخير الذي أنقّب عنه بلا هوادة فأجده فيها رغم المشقة، استعدت أمجادها في روحي بعدة ملامح ومنعطفات طيبة، أقدّر معنى أن يكون المرء حيًا ويجاهد للبقاء كذلك، وأحب أننا نحيا رغم كل الصعقات القدرية وغيابنا عن الوجود أحيانًا بمعية الله، أقدّر الحياة تقديرًا كثيفًا ضخمًا ولا أظن هذا التقدير مفردًا الآن، لقد تشرّدنا جميعنا في نفق مظلم
حتى أضحى الخوف شعورنا الأول الذي يعشش في خطواتنا، نمشي كُلنا في ذات الوُجهة حاملون ذات الأمل، نتأوه من الألم نفسه، نردد ذات التراتيل، نسعى لمخرج واحد، نُحس في قرارة ذواتنا بذات الندم والتوق، يُعذبنا حنين للمعتاد الذي يبدو الآن في أعيننا لامعٌ ككنز، يُعزينا يقين باستعادته في صورة أكثر تقديرًا له.
كم نبدو صغارًا وضُعفاء وتائهون في هذا النفق، ومشاعرنا الوجلة تفوقنا ضخامة واندفاع، نتدرب على العيش بصورة خانقة لم نعتدها، نردد في ذواتنا تهويدات النجاة، نتخيل الغد في آخر النفق، نتحرى ملمس الحياة خارجًا فأول ما سنفعله هو أن نحيا بجدارة عوضًا عن التبلد والجفاء نحو نعمة المَحيا.
نعقِد المواثيق مع ذواتنا بفردانية وبصوتٍ مسموع في ذات الوقت، معظمنا لا يُبارحه الحنين، معظمنا يُطبطب على ذاته بفكرة التعويض، كُلنا نتحرّى- نترقب- نبتهل- نرجو- نتحرى كرمًا لا يضاهيه كرم، أن يغدق الله بجوده على هذه الأرض بخلاصها من علّاتها!
يخلّصنا من الذعر والهلاك والعدم والندم وتعطلنا عن الحياة، أن يبُث برحمته السلامة في أوردة الكون كله فتجري في دماء الأرض هُتافات العالمين، ونقضي الباقي من عمرنا نحاول الإيفاء بكل ما قطعناه من وعود على أنفسنا بينما كنا وَجِلين يأكلنا الندم.
حنينٌ عصي عن الزوال، متروك زواله إلى مشيئة الله، ذُعر يأكل الروح ويهذبها في ذات الوقت يتمددان معًا في طور انتظارنا للفرج.

