قال الله تعالى في سورة النحل:
“ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ۖ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ۚ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ ۖ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ” (125)
فمن الحكمة أن نتعلم و نتدرب على مهارة الحوار لنتمكن من التربية والتعليم والدعوة و الإرشاد و التوجيه والقيادة، فالعلمَ نورٌ والجهلَ ظلام، وأهل العلم قد بينوا الفرق بين الحوار وبين الجدال و بين المراء.
فالحوار دائما يتم بين حكيم و حكيم.
والجدال غالبا يتم بين حكيم و جاهل وقد يحدث بين جاهلين.
والمراء مذموم لأنه جدال في الحق بعد ثبوته و ظهوره و غالبا يكون صاحب المراء متكبرا مكابرا جاحدا ظالما لنفسه.
والحوار هو نوع من الحديث يدور دائما بين باحثين حكماء (أهل علم) بهدف الوصول للحق حول هدف في مجال مختلف عليه يحدد مسبقا ، و يكون الحوار في مكان وزمان متفق عليه مسبقا ، ويكون الحوار في جو يسوده الالفة و الهدوء و الاحترام المتبادل و حسن النية و نتائجه غالبا محمودة.
والجدال غالبا يحدث بين حكيم وجاهل.
وغالبا يحدث حول أهداف غير محددة بدقة و في أي مكان و زمان و قد يكون فيه صخبا و عدم احترام و كراهية من الطرفين او أحدهما و يكون فيه رفع للصوت و قد يكون هدفه الانتصار للنفس من احد الطرفين او كلاهما او التقليل من مكانة وأفكار الاخر.
قال تعالى: ﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ ﴾ [الحج: 8]،
وقال تعالى: ﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَرِيدٍ * كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلَّاهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ ﴾ [الحج: 3، 4]
أما المراء فدائما مذموم و لا تتوفر فيه شروط الحوار ولا أي منها :
عَنْ أَبِى أُمَامَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «أَنَا زَعِيمٌ بِبَيْتٍ فِي رَبَضِ الْجَنَّةِ لِمَنْ تَرَكَ الْمِرَاءَ وَإِنْ كَانَ مُحِقًّا وَبِبَيْتٍ فِي وَسَطِ الْجَنَّةِ لِمَنْ تَرَكَ الْكَذِبَ وَإِنْ كَانَ مَازِحًا وَبِبَيْتٍ فِي أَعْلَى الْجَنَّةِ لِمَنْ حَسَّنَ خُلُقَهُ» رواه أبو داوود.
ومن الجدال ما هو محرم و هو الجدال لنقض الثوابت وابطال الحق قال الله تعالى :
﴿ وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ ﴾ غافر آية ٥
و من الجدال ماهو كبر و سفه و هو الجدال في آيات الله.
وقال تعالى: ﴿ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ ﴾ [غافر: 35]،
وقال تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ﴾ [غافر: 56].
وقال الإمام مالك رحمه الله: “الجدال في الدِّين يُنشئ المراء، ويَذهب بنور العلم، ويُقسِّي القلب، ويورث الضعفَ”؛ (نزهة الفضلاء: 2/ 623).
يقول عبدالله بن مسعود رضي الله عنه: “لا تعلَّموا العلمَ لثلاث: لتماروا به السُّفهاء، وتجادلوا به العلماءَ، ولتصرفوا به وجوهَ النَّاس إليكم، وابتغوا بقولكم ما عِند الله؛ فإنَّه يدوم ويبقى، وينفد ما سواه”؛ (جامع بيان العلم؛ لابن عبدالبر: 1 /176):
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((مَن جادل في خصومة بغيرِ علم، لم يزل في سخط حتى ينزع))أخرجه الطيالسي و صححه الألباني.
وعن أبي أمامة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((ما ضلَّ قومٌ بعد هدى كانوا عليه إلا أوتوا الجدال))، ثم تلا قولَ اللهِ تعالى : ﴿ مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا ﴾ [الزخرف: 58]
أخي الكريم:
إن المؤمن بالله ربا و بمحمد ﷺ رسولا وبالإسلام دينا يجب عليه اذا تبين له الحق ان يقبل به و يسلم تسليما قال الله تعالى:
وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا ﴾ [الأحزاب: 36].
وقال تعالى:
﴿ فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ﴾ [النساء: 65].
كان الإمام الشافعي رحمه الله يقول: “لو جادلني ألف عالم لغلبتهم، ولو جادلني جاهل لغلبني جاهل فانبذوه”. (اي الجدال)
ولقد قال نبينا محمد صلى الله عليه وسلم قبل الشافعي: ((أخوفُ ما أخاف عليكم: زلَّةُ عالم، وجدال منافق في القرآن، ودنيا تقطع أعناقكم)) رواه البيهقي في شعب الايمان اخرجه ابن أبي الدنيا.
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((المِراءُ في القرآن كفر))أخرجه الامام أحمد.
ايها المؤمن:
أيها المربي
ايها المعلم
ايها الموجه
ايها الداعية
ايها القائد
تدرب على مهارة الحوار فانها معينة لك على التربية والتعليم والتوجيه و الدعوة و القيادة
للحوار الناجح قواعد وقوانين و ضوابط منها:
1.أن يقصد بالحوار وجه الله تعالي قال النبي محمد صلى الله عليه وسلم: : إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى، فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى دُنْيَا يُصِيبُهَا، أَوْ إِلَى امْرَأَةٍ يَنْكِحُهَا، فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ رواه البخاري
2.يجب أن يكون الهدف من الحوار هو اظهار الحق و الوصول للحقيقة.
3. يجب أن يكون الحوار حول المواضيع الظنية (التي تقبل الحوار) . اي يمنع الحوار حول الثوابت والقيم والمبادئ و الحقائق العلمية.
4.يجب تحديد زمان و مكان الحوار مسبقا بحيث يتمكن المتحاوران من البحث و احضار الادلة والبراهين و الإثباتات.
5.يجب أن يتم الحوار في جو من الالفة و الهدوء و الاحترام المتبادل و الرقي.
6.يجب أن يتحلى المتحاوران بالعلم والفهم والموضوعية والرفق والرحمة و الصبر و الحلم والمرونة الفكرية والشعورية والسلوكية والشجاعة والمروءة وشرف النفس وضبط الانفعالات والحياء و حسن الخلق والتدبير والقدرة على الاقناع والتأثير وبعد النظر.
7.يجب أن يتم الحوار في بيئة مناسبة مريحة للطرفين المتحاورين.
8.يجب تحديد بداية ونهاية لكل جلسة حوار و جدولة الاعمال حتى يظهر الحق.
9.يجب أن يتفق المتحاوران على مرجعية و حكم يرجعان اليه في حال الاختلاف ، بحيث يكون المرجع حجة و متخصص في نقطة البحث.
قال الله تعالى:
﴿ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا ﴾ [النساء: 59].
10.يجب أن يبدأ المتحاوران بنقاط الاتفاق كمدخل للحوار حول النقاط المختلف عليها.
11.أخيرا يجب التركيز على موضوع البحث و البعد عن الشخصنة اثناء الحوار.
اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا و زدنا علما
