رتابة العالم بين التفاهة واللامبالاة
.
بقلم: إيمان الجمعة.
في سينما عُرض على شاشتها العتيقة فيلم بوليسي، فنتازي، من عصر ضائع عن الزمن، باللون الأبيض والأسود، وبنصٍ وسيناريو عميقٍ جدا، مشاهده مقلوبة الصورة، فيلم ليست له لغة، ولا تسمع منه إلا الصمت، إلى أن خرج مهرج أعمى فضحك كالزلزال، انتهى الفيلم.
ثم نهض بعض الجمهور والآخر لا يزال نائم، فالأول غير مدرك أنه مقلب، ولكن هناك جائزة غامضة عبارة عن “ذهب” من المهرج، الرابح فيها هو فقط من نام وسط مشاهدة الفيلم.
على هذا المنوال مضت الأعوام، و حثيثا قرابة شهر ونصف منذ انتهاء عام ٢٠٢٢ ميلادي، وقبله فقط بدقائق كان الناس مندفعون إلى احتضان مستقبل مجهول، ثم أتى المستقبل المنتظر، وبدأ عام ميلادي جديد ٢٠٢٣، إلى حيث ضجيج لحظات مستنسخة من نهايات أعوام أخرى، وزمن عالق بتلك العبارات المتكررة، والحديث عن قوائم الأهداف للعام المقبل، وما حصدوه في العام السابق حد الابتذال. وبقدر كمية المطر المنهمر في أيام شهر يناير، ورغم برودة الجو التي تلسع المشاعر لتبرد، لتكتب، لتضحك، لتحزن، أو لتذهب في متاهات وزوابع أو لربما تغرق في حبٍ وحنينٍ، إلا إن قلمي عصي عليه إلا أن يتفنن بالصمت أشبه باللامبالاة، قرابة الثلاثة أشهر وأكثر بقليل كأن صوت أخرس يتخلل جدرانه، وهو يسمع ضجيج الصمت يزلزل الأيام، وسكون عائم في أزقة الطرقات، وسيناريو بحبكة مشروخة يعاد كل يوم، كل شهر، تكرار واستنساخ حمقى وتافهين.
لهوَ إحساس غريب بالورطة عندما تشعر أنك في دائرة إطار زمني متكرر، حيث انتهاء عام وابتداء عام والعالم ما يزال عالق بين رتابة التفاهة واللامبالاة، فهل هناك سبيل للخروج من هذه الرتابة، أم أنه انزلق الكون داخل الحيّز الجغرافي للتفاهة ولا سبيل للهروب؟ وإلى أن صمت القلم وسط التفاهة وكأني خارج الزمن الفعلي، إلى حيث تضخم سؤال لدي، هل الصمت واللامبالاة في ورطة مع التفاهة أم العكس؟ وكأن بسؤالي ربكة تستشعر أن ثمة للعالم رغبة وتوجه جديد وثقافة عالمية تنحدر نحو التفاهة، فهل أصبحت التفاهة على حين غفلة ثقافة عصر ونظام مبرر لوقتنا الراهن؟
ذات زمن غائر قال شكسبير “لا تصنعوا من الحمقى مشاهير”، فتوالت الأزمان وأتى ألبرت أينشتاين ليقول “أخاف من اليوم الذي تتفوق فيه التكنولوجيا على التفاعل البشري، حينها سيمتلك العالم جيلًا من الحمقى”، فهل يمكننا في هذا العصر المبهرج أن نقول إن خوفه وقع؟ وهل كانوا هؤلاء وغيرهم ممن قرأوا المستقبل مدركينه أكثر من الذين يعايشونه الآن؟
نعم فعلى تضاريس الأجسام، و رقصات رخيصة، و انحطاط أخلاقي، وتوسيع حدقة العين وارتخاء الشفتين على محتوى رديء، و ربما الأغلب اليوم لا يقف عند نشرة الأحوال الجوية ولكن هناك مجتمع لا يبدأ عامه أو يومه إلا في أوكار المتنبئين و الأحوال الجوية للحظ، -نعم فقد صارت لهم منابر إعلامية على التلفزيون بعد أن كانت أوكار في الخفاء-، هنا ضع المعرفة على جنب، واترك شهاداتك وكتبك و بحوثك المعقدة قبل أن تدخل السينما، أو بالأحرى سينما عالم التفاهة، فليس مطلوب منك أن تقدم شهادات كبيرة ولا أفكار جديدة، كل ماعليك فقط سوى أن تظهر أعلى تفاهة لديك، وأردى محتوى عندك لتقفز لأعلى قمة ربح هناك.
نعم هذا هو الحال الذي وصل له العالم والذي لا زال الفقر والجوع والأمية والجهل ينهش معظم سكانه، سنكون كاذبين لو ادعينا غير ذلك، ستدرك حجم الشرخ الكبير الحاصل في العالم بمجرد أن تصوب نظرك وترى فيديو على أي منصة من منصات التواصل الاجتماعي لشخص أخرق يقوم بحركات لا مدلول لها من ثم يستقطب الملايين من المشاهدين ويستحوذ على اهتمامهم في بضع ثواني، ستدرك حجم الشرخ الكبير في تدني ذائقة اهتمام العالم عندما ترى صورة على برنامج “الانستقرام” تحصد أكثر من (٥٠) مليون “إعجاب” لتكسر الرقم القياسي بما يزيد العدد على عدد سكان بعض دول، والمصيبة العظمى عندما تعلم إنها صورة لبيضة تلك التي تبيضها الدجاجة، بيضة عادية جدًا بشكلها ولونها المعروفين.
و ستنصدم بهشاشة العقول في فيديوهات العابثين ببراءة الأطفال مستغلين نقاءهم، و الضاربين بشيبة شيخ كبير في عرض المتاجرة لتكسب ما يسمى “الليكات”، إذًا يمكننا القول أن مخاوف أينشتاين وقعت و بطريقة هلامية بين البشر، وإن العالم ممتلئ و مثقل بجيلٍ من الحمقى والتافهين الذين تلفتهم صورة لبيضة أو صورة لحمل مشهورة، و يكون تفاعلهم أكثر من أي شيء ينحدر نحو التفاهات، برامج لا نقول إنها عرت انحلال الأخلاق في المجتمعات، -فهذا كلام خارج الزمن الفعلي-، بل إنها في العالم الفعلي توجت التافهين ليكونوا كقدوة، تسأل طفلة ماذا تريد أن تصبح لتقول لك”فاشنيستا”، وتلك تطمح لتكون “مشهورة تيك توك”، و ذاك يريد الحصول على الأموال أو أغلى سيارة بدون تعب.
وبذلك، قد غيّب الأداء الرفيع، وهُمشت منظومات القيم وأُبعد الأكفاء، وبرزت فيه الأذواق المنحطة لتسيّد وتعبر العالم، فترى التصفيق لمن أزال رداء الحياء والعفة أو من انتهك خصوصية غافل، منابر موجهة خلف أخبار ومتابعة جديد المشادات الكلامية بين المشاهير المشحونة بالمفردات السوقية، ونقاشات بصوت عالي حول أجمل طلَّة أو جسم، والمعضلة الحقيقية تكمن في أنهم يجدون من يرفعونهم ويتجمهرون حولهم، فيتوهم التافه بأنه يصنع حسنا فيزيد تفاهة وبلاهة وتتفاقم التفاهات والحمقى والمهرجين.
في حين حتى التافهين والتي قالت عنهم معاجم اللغة العربية إن الشخص التافه هو” الغير متزن، قليل العقل لا قيمة لأعماله، يهتم بقضايا تافهه، لا قيمة لها”، -أ لربما هم غير مدركين أنهم تافهين؟!- قديما لم يكون لهم حق في الكلام سوى في مقاهي ويتم كذلك اسكاتهم في الحال لكيلا يتسببوا بأي ضرر على المجتمع، هذا ما قاله الكاتب الفيلسوف الإيطالي أمبرتو إيكو عن فيالق من الحمقى.
وإن رجعنا كذلك للحيز الجغرافي القديم سنرى تفاهة تلهث مثلهم تماما، لدرجة ماجعلت البعض يخصص وقته ليكتب عنهم، مما دعا ابن الجوزي يؤلف كتابه “أخبار الحمقى والمغفلين” ويقول في مقدمته آثرت أن أجمع أخبار الحمقى والمغفلين لأسباب ومنها “أن العاقل إذا سمع أخبارهم عرف قدر ما وُهِبَ له مما حُرِمُوه فحثه ذلك على الشكر”. في الحقيقة حين تقرأ كتابه ثم تلقي نظرة على العالم يصيبك الأسف وتتساءل هل هناك سبيل للخروج؟ ماذا لو أدرك ابن الجوزي زماننا؟ -حتما ما انتهى من تأليف كتابه هذا-، على كُلٍ فهم ليسوا طفرة جديدة ولكن وجودهم أصبح وباء متفشي عالميا لدرجة تصيب أي دماغ بشري لم يدخل حيزهم الجغرافي بالهلع لأنه يعيش مرحلة تاريخية غير مسبوقة.
ومن المؤكد خلف هذا العبث في العالم يراودك فضول لمعرفة أسباب تدني العالم إلى مستوى هذه التفاهة، وابتعاده عن أن تكون المعرفة هي الهدف، أو تريد الغوص في معرفة من جعل الناس سذج وسطحيون ينجذبون دون إدراك وتفكير، ولربما يزيد استغرابك أن كيف لهذه الفئة السلطة في تحريك العالم وتدوير التكنولوجيا ووسائل الإعلام وقلبها ضد أي من خصومهم.
بلا شك، بالتفاهة والرداءة والتسطيح والانحدار قد قبضوا على أغلب أفراد المجتمعات و تغلغلوا في أفكارهم، فنالوا من ثقافتهم وعاداتهم لترى في المحصلة من يدافع عنهم بشكل مستميت، وهكذا لم تبقى للقيمة العلمية والثقافية أي قيمة، وقد يكون هذا ما يفسر انزواء البعض إلى اللامبالاة -و الذي سأتطرق له في مقال قادم بإذن الله-، ناهيك عن مجتمع العقلاء وطبقة المثقفين الذين فضلوا الصمت وسط الضوضاء، وكأنه خوف من نفيهم وردم تاريخهم، ولكن قد يكون الجواب الأمثل هو كما قال جورج البابا موري: “نحن نقدر في العالم أولئك الذين لا يستحقون تقديرنا، نهمل الأشخاص ذوي القيمة الحقيقية، لكن العالم مثل المحيط، اللؤلؤة في أعماقه، والأعشاب البحرية تسبح”.
وعلى أي حال، فأنهم أدخلوا اهتمامات العالم في علاقة طردية لهم، كلما زادت عولمت ثقافة التفاهة والسخافة والانحطاط زاد وانحدر العالم تحت أقدام الحمقى والتافهين، عالم مازال يستقتل علنا ليستقطب التافهين حتى لو رمى بالذهب في حجور الصادين عنهم، واللامباليين بهم، وحتى النائمين، عالم -في الزمن الغير فعلي- معيب عليه أنه يصرف انتباهه عن القضايا الإنسانية ليخفي الوجه الحقيقي للواقع، عالم ينهزم تحت مهرج.
-وإلى أن مرّ المهرج الأعمى جنب الجمهور الذي لم ينم وضحك مرة أخرى: ثم قال لا أعنيكم بهذه الجائزة “فأنتم” قد تعديتم مستوى التفاهة بمراحل، فضحك مرة أخرى ومضى-.