بقلم/ إيمان الجمعة
ألفٌ، باءٌ، ثم مسيرة عمر يُبنى يوما بعد يوم، ثم جيل أنتجه تعليم أخرق أو تعليم راقي يحترم ذاته وكينونة إنسانيته، يأخذه ليرتقي به حيث صرح يجعل منه إنسان قادر على معرفة كيفية التعبير عن ذاته، قادر على فهم القيمة التعليمية والعملية لأرتقائه، فلطالما كان التعليم هو الصورة التعريفية للمجتمعات، وأهم عامل لتأسيس الحضارات، و بناء لشخصية الإنسان.
ألفٌ، باءٌ ثم انتهى العام الدراسي، وبدأت التهاني تجول في المجتمعات كعصفور خرج من سجن، بدأ الأغلب يتحدث عن حصد الدرجات والمستويات، بعد ما كان هناك الكثير من الأصوات المرتفعة تتزاحم لمدة عام بين المنظرين الذين لهم وجهة نظر، يقابلهم الدعاة و لهم كذلك رؤية، إضافة إلى الأسرة التي لا يعنيها إلا أنها تريد أن ترسل طفلها لمدرسة مرسومة مسبقا في فرضيتها التي لن تراها يوما على الواقع، عام كامل و أعوام كانت قضيتهم ثقل الحقيبة وضررها على ظهر الطلبة والآن امتدت القضايا لطول مدة الدراسة، و كثرة الواجبات المنزلية، و صعوبة المشاريع التي تفوق قدرة تفعيلها على الطلبة التي يمتد ضررها على الأهل مع المعلمين، ولكن في خضم هذا الفلم القصير من كل عام، هل هناك من يتساءل عن ما يتعلمه هؤلاء الطلبه، وماهي مخرجاته، وإلى أي مستوى يؤهلهم؟
نعم إشكاليات التعليم لا يمكن حصرها، ولكن في حقيقة الأمر إنها و بشكل لافت جدًا أهملت من قبل الجميع. حقا علينا أن تصيبنا الخيبة لهذا الفلم من كل عام، فعندما تتحول القضية الأساسية من التعليم إلى قضايا عشوائية، فا لمتضرر الأول والأخير جيل من الطلبة، جيل بات همة الأساسي الحصول على شهادة، ضارب بالعلم والتعليم عرض الحائط، جيل منغمس في ثورة العالم الافتراضي، يرى التعلم مضيعة للوقت، وفي جهاز صغير هروبا من واقعه إلى حيث الترفيه المفرط، دون أن يدرك المسؤول عنهم إنه تستدرج طفولتهم ومراهقتهم ليقعوا في هاوية البعثرة، وتدني في المستوى التعليمي، جيل يضيع في لغته الأم كا لتمييز بين “الضّاء” و”الظاء”، غير سوء الخط، و كبر الخيبة في ركاكة التعبير، و تلك التي بات الأغلب لا يلتفت لها ويعدها من الهوامش، كضبط الكلمات و الإملاء، إلى إن انتقلت هذه العدوى للتعليم العالي ومخرجاته، جيل يلحِنون في لغتهم كما يتأرجحون في دينهم، جيل يكبر بدون رصيد من القيم الوطنية والأخلاقية.
السؤال هنا لِمَ ما زالت أزمة أنظمة التعليم قابعة بين مد وجزر؟ لِمَ يكثر جيل الأفراد الجهلة، المعدومين الذين يكبرون فاقدين الصلة بين ثقافة مجتمعهم وكيانهم كمجتمع مسخ.
و لأن الدول المتقدمة أدركت قوة ودعامة التعليم المتينة التي تقدمها لمكانة الدولة بين الأمم، أدركت معنى الاستثمار في التعليم لتجعله كالحارس الصلب الأمين على هوية وثقافة شعبها وكل تاريخها، ليكون دخيرة لذود عن أمنها واستمرار استقرارها وبقائها.
ثم على الرغم التقدم في مستويات التعليم في بعض مجتمعاتنا إلا إنه مازال هناك فجوة قرابة قرن كامل في مجال التعليم، مما يجرنا إلى طرح العديد من التساؤلات والإشكاليات عندما نجد كيف تلك الدول تتنافس فيما بينها بمستويات تعليم مواطنيها، وعلى جانب دول العالم الثالث يتم تجهيل التعليم، مبتعدين عن الهدف الأساسي من العملية التعليمية، على الرغم رفعهم لشعارات نحو محو الأمية، لكن تجد آفة الجهل منتشرة في المجتمع، وكأنهم لايفقهوا من العملية التعليمية سوى تعليم الناس القراءة والكتابة.
إن التطرق إلى جملة المشاكل التي تواجه التعليم في مجتمعاتنا، من افتقاره إلى كادر مؤهل لإدارة العملية التعليمية ووضع المناهج المناسبة، و ضعف الاستثمار في التعليم، وتهالك مرافقه الأساسيَّة، لهو قضية كبيرة يرى البعض إن بناءه يحتاج مئات السنين ولكن عندما ننظر إلى تلك الدول الأولى في جودة تعليمها على المستوى العالمي، بعدما كانت في قعر الأزمات وكيف خرجت منها وأخص بالذكر: اليابان وفلندا وسنغافورة وكوريا الجنوبية، حيث حققوا قفزات يشهد لهم واقعهم الآن في فترات زمنية قصيرة ليصعدوا ويصلوا في عداد الدول الأكثر تطورا ورخاء رغم افتقارهم إلى الموارد الطبيعية وذلك بفضل جودة ورقي أنظمة التعليم فيها، ولكن فقد قيل “الشخص القوي هو من يتعلم الدرس ويحول الفشل إلى نقطة وصول للهدف والنجاح”.
ولو نواجه أنفسنا لوجدنا العجز القائم ونقاط الضعف الغزيرة بالأنظمة السائدة في مجال التعليم، فلا بد من التركيز على ضمان تكامل العملية التعليمية، ومخرجات التعلم خاصة في المراحل الأولى من التعليم لضمان نمو ملكات ومهارات الطفل العقلية، وما يجب وضعه في الأعتبار هو النظر بتمعن كيف أن أنظمة التعليم ساهمت بشكل كبير وبقوة في نمو تلك الدول ليس فقط اجتماعيا إنما اقتصاديا مما جعل منها تقف في مصاف الدول المتقدمة.
و على وجه التحديد لم أعني بحديثِي هنا اجترار التجارب تلك التعليمية منها والتنموية، وإن كان النهوض بالتعليم يتطلب إدارة موارد مالية وبشرية كبيرة بشكل دائم، إنما هي دعوة لبلورتها و دراستها، والبحث عن حلول وخطط مناسبة تتماشى مع العصر و ثقافة مجتمعاتنا وديننا، فإن التعليم الذي لا يتماشى مع العصر ومتطلبات التنمية لهو هدر لثروة الدولة.
حيث استوقفتني مقولة رالف والدو إمراسون استشعرت بها الوضع الراهن قال فيها: إن “السر في التعليم الناجح هو احترام التلميذ”، فهل نبدأ جدلية بين بناء منظومة التعليم و احترام بناء الأجيال؟ ولكن عفوا، هل هناك حق احترام التلميذ في أنظمة التعليم اليوم؟ أم فلنردد ألف، باء انتهى العام الدراسي.
وللمهتم فقط ما محصلة مخرجات تعلم طلبتكم؟







