بقلم/ منصور جبر
بعد اندثار حضارة طَسْم وجَدِيْس الذين عاشوا في الألف الأول قبل الميلاد ؛ ظلت اليمامة مهجورة رَدحا من الزمان ، حتى قدم إليها بنو حنيفة قبل ظهور الإسلام ، واستقروا بها .
كان عبيد بن ثعلبة زعيما لقبيلة بني حنيفة ، ولما قصد اليمامة وصل إلى موقع ( حَجْر ) وهي الرياض اليوم ، فاتخذها سكناً له واحتَجَرها له ولعشيرته ومن هنا جاءت التسمية .
استقروا بها وامتد نفوذهم على ضفاف وادي حنيفة ، وأصبحت اليمامة إقليما يحكمه أفراد هذه القبيلة بالكامل .
ولما ظهر الإسلام كان ملك اليمامة هو ثُمَامَةُ بْنُ أُثَال ، الذي أعلن إسلامه أمام رسول الله صلى الله عليه وسلم .
وفي منتصف القرن الثالث الهجـري تأسست الدولة الأخيضرية وأحدثت الانقسام وعدم الاستقرار في المنطقة .
وبعد سقوطها عاد بعض بنو حنيفة إلى وسط الجزيرة العربية ليعيدوا تأسيس دولتهم من جديد .
وبعد سنين عدة هناك في منطقة نجد بالدرعية وتحديدا عام ٨٥٠ھ الموافق لسنة ١٤٤٦م أسس الأمير مانع بن ربيعة المريدي الجد الثاني عشر للملك عبدالعزيز مدينةً قوية .
أصبحت تلك المدينة مركزا حَضَرِيا ، وغدت مكتفيةً ذاتياً من الناحية الاقتصادية ، حيث كانت منطقة زراعية وعلى مفترق طرق تجارية نظرا لوقوعها على وادي حنيفة ، فكثرت فيها المزارع ، وقاموا بتصدير منتجاتهم للمدن الأخرى في منطقة نجد .
وتولى الأمير مانع المريدي وأبناؤه وأحفاده من بعده حكم الدرعية وتوفير أسباب الحماية وممارسة التجارة .
تمتعت الدرعية بموقعها الجغرافي والاستراتيجي ، وكان من أبرز مقوماتها وقوعها على واحد من أهم الأودية في نجد وهو وادي حنيفة ، إضافة لكونها تقع على أحد أهم الطرق التجارية القديمة .
كان مانع وأولاده الأمراء من بعده حريصين على حماية القوافل عامة ، وقوافل الحج خاصة ، وعقدوا معاهدات مع القبائل وأمراء المدن الأخرى في منطقة نجد ، وصارت لهم شهرة كبيرة في ذلك .
ومنذ نشأت الدرعية وهي موئل للعرب ، فقد هاجر إليها أناس من اليمن ومن مناطق مختلفة من الجزيرة العربية .
كان نظام التجارة في الدرعية أكثر انفتاحا على الآخرين وأكثر منافسة .
ولما تولى الحكم الإمام محمد بن سعود ، نقل بعبقريته دولة المدينة في الدرعية إلى مرحلة الدولة ، والتي تعارف المؤرخون على تسميتها بالدولة السعودية الأولى .
ولد الإمام محمد بن سعود عام 1090هـ ، ونشأ وترعرع في الدرعية واستفاد من التجربة التي خاضها في شبابه حيث كان مراقبا جيدا لأوضاع الإمارة وترتيبها مع والده الأمير سعود ، وتحلى برؤية ثاقبة وأسس لمسار جديد في تاريخ المنطقة تمثل في الوحدة والتعليم ونشر الثقافة وتعزيز التواصل بين أفراد المجتمع والحفاظ على الأمن ، وبهذا يكون قد قضى أربعين عاما في القيادة والتأسيس .
قام الإمام محمد بن سعود بتبني فكرة الوحدة التي استطاعت في مدة وجيزة توحيد معظم أراضي الجزيرة العربية . كما دعم الإمام تأمين الأمن والأمان ونصرة الدعوة الإصلاحية .
تولى الحكم في الدولة السعودية الأولى 4 أئمـة ، هـم الإمام محمد بن سعود ، والإمام عبد العزيز بن محمد ، والإمام سعود بن عبد العزيز ، والإمام عبد الله بن سعود .
واتخذوا من الدرعية عاصمة لهم .
تفرَّدَت الدولة السعودية منذ تأسيسها وحتى يومنا هذا بكونها دولة عربية صافية بحكامها وشعبها ، واستطاعت بحكمة قادتها وحنكة ساستها على بسط نفوذها ، واستباب الأمن ، وعقد سياسات ناجحة وعلاقات اقتصادية واجتماعية قوية متينة في المنطقة .
وتميزت الدولة السعودية بنشرها للثقافة واهتمامها بالعلم والتعليم ، كما اهتمت بالوقف وأنواعه المختلفة ، وكانت سبباً في ظهور نمط جديد في العمارة لم تعرفه الجزيرة العربية سابقا ، واهتمت الدولة بطرق الحج والتجارة وحمايتها والتأكد من تأمين هذه الطرق ، وبلغت الدولة ثراء كبيرا لم تعرفه المنطقة من قبل ، وأصبح النشاط التجاري قوياً ، فتعددت الأسواق في الدرعية ومعظم مناطق الدولة .
وبهذا التأسيس أصبحت الدرعية مركزا لدولة عربية موحدة ، في عهد الإمام محمد بن سعود الذي تولى الحكم عام 1139هـ الموافق للعام 1727م ، والذي يعتبر هو تاريخ تأسيس الدولة السعودية الأولى .
لقد ساهمت الدولة السعودية الأولى في تشكل الهوية الوطنية التي ما زالت معالمها وآثارها قوية وراسخة حتى يومنا هذا ، وهي التي رسمت ملامح البعد الزمني ، ورسخت العمق التاريخي للمملكة العربية السعودية وإرثها الثقافي ، منذ تأسيس الدولة على يد الإمام محمد بن سعود ليكون وطنا مستقلا ، له مجده وقوته وحضارته الممتدة العريقة ، المرتبطة بدين الإسلام القويم .
نهضت مملكة الإنسانية بتاريخها المشرق الأصيل ، ورؤيتها العميقة الفريدة ، ورسالتها السامية القوية ، لتشيد بناء عظيما لهذا الكيان العملاق ، الممتد في أرجاء الجزيرة العربية ، وتستذكر للأجيال العمق التاريخي للمملكة العربية السعودية ، منذ تأسيسها حتى توحيدها على يد الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود رحمه الله مرورا بأبنائه الذين أكملوا بناء هذه الدولة المباركة العظيمة ، وصولا إلى ما نحن عليه من رخاء ونمو وازدهار في عهد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز آل سعود حفظه الله ، مزامنة للرؤية الفريدة ، والنهضة القوية الجديدة لولي عهده صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبد العزيز آل سعود وفقه الله .
لقد أشرقت شمس هذه البلاد في قلب الجزيرة العربية في اليوم الـ 30 من جمادى الآخرة عام 1139هـ ، الموافق للثاني والعشرين من فبراير ، فهو يوم التأسيس المجيد للدولة السعودية على يد الإمام محمد بن سعود الذي أرسى قواعد الحكم ، وشيَّد اللبنات الأولى لمملكة الإنسانية .
حفظ الله هذه الدولة العظيمة ، وبارك في رؤاها الطموحة الكريمة ، ووفق قادتها وحكامها لاستكمال رسالتهم الرائدة القويمة .







