بــقلم| سكينة الشمري
بعد مضي أشهر دون أن يصلها منه شيئ، قالت:
لقد غيرت عناويني.. مكان عملي، سكني ورقم هاتفي و عنوان البريد، وعكفت عن التواجد في جميع تلك الأماكن التي يعرف بأنه من الممكن أن يجدني بها. لا لشيئ سوى أني تعبت من ذلك الأمل البالي، الأمل الذي يجعلني أجلس لساعات في ذلك المقهى الذي يدريني أحب ارتياده بعد انتهاء عملي والذي صرت لا أرتاده لشيئ سوى ليحضر عندي ويحادثني أو لعل صدفةً جديدة تجعلنا نتعارف من جديد. الأمل الذي يجعلني أنفض صندوق البريد كل يوم بحثًا عن رسالةٍ ربما علقت في داخله ولم أراها، والذي يجعلني أستفسر ساعي البريد عنها، عن الرسالة التي لم يخطر لك ربما حتى كتابتها. الأمل الذي يجعلني أسمع صوت طرقات تشبه طرقاتك على بابي فيوقظني من نومي لئلا أرى خلف الباب سوى ارتجاف الأشجار وحفيف الرياح في تلك المدينة التي صارت عدوةً لي.
مذ أن صارت تسألني وتلح في سؤالي عنك، إذ كنتَ تملأ معي شوارعها. يسألني عنك صاحب المقهى، وجميع الأصدقاء هنا يفتقدوننا معًا، يخطأ بائع المخبوزات كل يوم ويحضر لي فطيرتين من تلك التي كنا نتناولها صباح كل يوم، فآخذ فطيرة التفاح خاصتك وأترك الشوكلا خاصتي، لا أدري ألأنها تعود إليك أم لأنني بنيت علاقةً جديدةً مع التفاح بعدك!
صغيرةٌ كنت أختبأ لئلا يعثر علي أحد فيعاقبني على جرمٍ صغير ارتكبته في البيت، كبرت وصرت أختبأ في الأماكن التي أدريك تعرفها لتعثر علي فتعتذر وتعيدني إليك معترفًا بجرمك الذي ارتكبته.
ما كانت ترهبني الوحدة ولكنني خشيت الرفقة الخيالية، أن أكون بمفردي ولكن لا يفارقني طيفك طوال الوقت.
قل لي بربك ماذا كنت ستخسر لو أنك قدمت لذلك المقهى في ذلك النهار الذي أمضيته واضعةً كفي تحت خدي وقلبي تحت عتبة الباب الذي يفتح كل دقيقتين ليدخل أحدهم فيندهس قلبي لأنه لست أنت.
أو لو أنك كتبت لي رسالةً تسألني كيف تمضي أيامي من بعدك، ألا يهمك أن تعرف عن أحوالي شيئًا! ولا ربع شيئ! كيف ذلك وأنت الذي أهمك حالي حد مزاحي بأنك قد تحولت لمقياس ريختر لتقيس هزاتي المزاجية في اليوم عشرات المرات، أكان اهتمامًا مفتعلًا! إذ كيف لمن صدق برغبته في الاهتمام أن يكف عنه هكذا فجأة دون مقدمات أو حتى تدريج لأبرر لك بأنك أعتدت البعد ..
لقد غيرت عنواني، لا لشيئ سوى لأكف عن انتظارك وليفهم قلبي بأنك لست الطارق ولست المرسل ولست الداخل كلما دفع أحدهم الباب ليدخل، ببساطة لأنني غيرت عناويني ولم تعد تعرفها ولن ينتظرك قلبي أبدًا.
ولكن إذا انقطعت بيننا السبل، فلتكن هذه ذريعة لنتعارف من جديد..







