كوب القهوة وهاتفي، رُفقاء قلمي هذا المساء، والصمت الذي يحتضن عالمي في هذه اللحظة، يسحبني قصرًا للكِتابة، أردت أن أكتب شيئًا جديدًا غير مُستهلك، شيئًا يُناسب نهاية العام وبداية عامٍ جديد، شيء لا يشبه الأحاديث المملة عن الإنجازات والمشاريع والنجاحات، ولا يخوض في حُكم تحريم أو جواز فلستُ أهلاً للخوض في ذلك، ولا يقترب من التهنئة والتبريكات فهذا العام المُنصرم لم يكن جيدًا للجميع على أَيَّة حال، ولن أكرر كلمات التفاؤل الساذجة لأننا كبشر طبيعيين سنجر معنا بعض الخيبات للعام الجديد.
أحيانًا يجب التخلي عن بعض الأفكار التي بقيت مجرد أفكار، ولم نستطع تحويلها إلى واقع مادي ملموس، لأن الأقدار أعظم من إرادتنا، وعن الأمنيات التي لم يُسعفنا العمر لتحقيقها، عن “العشم” الذي بهت وهو مُعلق على الأشخاص الخطأ، نتوقف لوهلة وننظر لأنفسنا لا لنحتفل بنهاية العام، إنما لنحتفل بإنسانيتنا، نحتفل بالضمير الذي لايزال حَيًّا، وبالقلب الهيّن اللين الذي نملكه، بالروح العذبة، بالمشاعر الطيبة التي تحملها أرواحنا، بالتفاؤل الذي يُداعب أعيننا كُل صباح، بالحب الذي نستطيع منحه للآخرين، باليد التي تمتد بالخير في كُل الأوقات!
ذلك التخلي ليس لأجل الآخرين، أو لادعاء المثالية التي يدعيها الجميع، ذلك التخلي هدفه الأول هو أنت، روحك التي شابت رغم شبابها، وأيام عديدة مضت من عامك لم تكن فيها لنفسك، لأجل الخيبات التي كُنت تُعَلِّق الفرح على أصحابها، لأجل أولئك الذي أداروا ظهورهم في خضم دهشتك واختفوا من حياتك للأبد ولم تستطع أن تسألهم إلى أين ولماذا! لأجل كُل الانهزامات والخسائر والانكسارات التي أدمعت أعيننا مرارًا، لنتركها ترحل مع عامنا المنصرم لعلنا نستقبل عامنا الجديد بأحمال خفيفة.
إن البدايات هي خير مُلهم وأقوى حافز لنخطو الخطوة الأولى نحو عام مثالي، عام مليء بالخير، فأمنية تفوت يتبعها مئات الأماني لتتحقق، وفرصة تفوت يتبعها مئات الفرص إن سارعت للخير، الإنجاز الحقيقي ليس أن تُحقق الأماني فحسب إنما أن تستمر في تحقيقها حتى الممات، وتذكر دائمًا أن تلك البداية لاثني عشر شهرًا قادمة لا يمكنك تجاوزها وحدك، لن تستطيع دون أحبابك وأصحابك وأهلك، فأصفح وسامح وتجاوز لتستمر الحياة ويكتمل الخير.
لنبدأ هذه البداية لنصلح ونصحح فالأيام معدودة والحياة قصيرة، ورائحة الموت تطوف بنا في كُل الأوقات، تُنذرنا أن لا متسع في العمر لمزيد من الأخطاء، من الذنوب والخطايا، من الوقوف بلا حيلة أمام الكثير من الاعتذارات التي لم نقلها، والمشاعر التي لم نحكيها، والأرحام التي لم نصلها، والكثير الكثير من أبواب الخير لم نطرقها، أقعدنا عنها الكسل وجاوز تسويفنا حد أعمارنا، وبكل ثقةً العالم، نهنئ بنهاية العام، وكأننا عشناه كاملاً بِكُلّ فرصه، بينما جزء من عامنا مفقود فعلامَ نهنئ؟
إن ما يستحق التهنئة فعلاً هو أن نُدرك أننا مازلنا على قيد الحياة وأن عامًا جديدًا سيضاف لأعمارنا وأعمالنا، أو ربما سيكون هو عامنا النهائي الذي سيكتب أعلى ورقتنا الأخيرة، ولكن لنستشعر على الأقل أننا لازلنا هُنا على قيد الحياة ونحظى بفرصةٍ جديدة لنُغيّر ونتغير، فُرصة أن نقطع حبل المماطلة والتسويف ونبدأ في بناء شيء ما يُسافر معنا إلى حياتنا الأخرى لعله يرتق ما تمزق من صحائفنا وما خسرنا من أيامنا، لنحاول على أقل تقدير أن يكون عامًا كاملاً بدلًا من هدره بلا قيمة وينتهي في آخره ب “جزء من العام مفقود”.






