بقلم/ حبيبه أحمد سليمان
افتخر جداً كوني نشأت بين عائلةٍ تهتم بالعلم تراه طريقاً وتتخذه سبيلاً تتقوَّى من خلاله على مصاعب الحياة ومتطلباتها فقد خرج من بينهم الأطباء والصيادلة والمهندسين ورجال الدين والساسة وأعضاء هيئة التدريس والضباط إلى جانب ذلك من مختلف المجالات الحياتية الشريفة التي تعين على إقامة الدولة وتطورها لا إزالتها وتدهورها.
وكم أفتخر كثيراً كوني حظيت بجدٍ كان أول معلمٌ لي في حياتي قد جمع بين الدين والعلم والأخلاق والمال نستطيع أن نقول أن الله أعطاه شرفي الدنيا والآخرة، تلامذته من كلِّ مكان بعضهم وصل لأعلى المناصب وتقلّد أفضل الجوائز ما زال اسمه معروف حتى هذه اللحظة رغم وفاته المنية منذ أكثر من عشر سنوات فأنا حينما اذكر بين مسامع الجالسين أن جدي هو الدكتور عبده هليل عضو هيئة التدريس بجامعتي الأزهر الشريف وأم القرى، فيهَمُّ أحدهم قائلاً: أنا أعرفه حينها ينتابني شعورٌ بالفخرِ والعزةِ لا يوصف.
إنني أحمد الله تعالى على الأيام التي قضيتها معه رغم قلتها فلقد توفي رحمه الله وأنا في السابعة من عمري ولكني اعتقد أنها كانت أجمل الأيام وأفضلها على الإطلاق فكوني حفيدته الأولى قد تلقيت عناية فائقة ورعاية لم يلاقها أحدٌ مثلي من أفراد العائلة قط، فأحياناً تأخذني العظمة كوني أكثر الأحفاد التي لَعِبَتْ على رِجلِ جدها والتي كان يأتي لها بالألعاب والحلويات وهو قادم من الجامعة أو المسجد والتي كان يفرح كثيراً لرؤيتها وقد كنت أيضاً أفرح حينما يأت هو بالزيارة، لقد كان لها طعمٌ آخر .
لم أنسى عندما كنت في الصف الأول الابتدائي وحصلت على الترتيب الأول على مستوى المدرسة ذهبتُ لجدي وأخبرته حينها أعطاني مائة جنيه مصري كان وقتها مبلغاً له قيمة كبيرة جداً ولكني الحقيقة لا أتذكر ماذا فعلت بها، فقط تذكرت المبلغ!.
ومع مرور هذه السنين ما زلت أذكر تفاصيل وجهه وملامحه وحركته و لم ولن أنساها قط، تَذْكُرْ لي جدتي ووالدتي حفظهما الله أنه كان يداعبني بيده في رقبتي وأنا كنت أضحك كثيراً وهو يتعب كثيراً وأنا أقول له (تاني) فيداعبني ثانية رغم ما يشعر به من تعب، ما زلت أذكر حينما كنا نبيتُ عنده في المنزل كنت اترك والدتي وأذهب لأنام بينه وبين جدتي أستيقظ صباحاً فلا أجده بجانبي فأبحث عنه لأجده نائماً بجانب السرير على الأرض على جانبه اليمين واضعاً يده تحت رأسه بطريقة معينة كان هو لا يعلم أني أريد النوم بجانبه وكنت أنا أنانيةٌ جداً.
لا أذكر تفاصيل لحظة موته وكم كان هذا الخبر مؤلماً على البيت فلم أعي معنى الموتِ حينها كنت طفلة صغيره ولكني شعرتُ بشيءٍ غريب بداخلي شعرتُ وكأن شمساً ما قد غَرُبَتْ ولن تشرق ثانيةً بات الجوُّ وكأنه مغيم كأنه ينذر بقدومِ ريحٍ صرصرٍ عاتية لا أذكر من هذه الحادثة سوى شيءٌ فقط وهو إصرار أختي الصغيرة على رؤية جدي في الليلة التي سبقت يوم وفاته كان إصراراً عجيباً ليس طبيعياً لقد كنا عنده من قريبٍ جداً نحاول تهدئتها وهي تبكي وتصر على طلبها قال لها الوالد: سنذهب غداً ان شاء الله بعد المدرسة وأيدته الوالدة ولكنها لم تعلم حينها أنها عندما ستكون هناك لن يكون هو هناك سيكون رحل إلى الرفيق الأعلى سيكون في عالمٌ آخر غير عالمنا، ما أعجب بصيرة الأطفال!
حقيقةً لا أعلم ما الذي جعلني أكتب عن جدي رحمه الله في يوم المعلم هذا بالذات مع إنه ليس أول يومٍ يمر عليَّ وأنا قد امتهنت فيه مهنة الكتابه، ربما لأننا تمنيت وجوده في هذه الفترة ليرى حفيدته الأولى وهي على مشارف التخرج،أم ربما لأنني قد وددت أن أخبره أنني مثله أحب الأدب والعربية وأهوى البلاغةِ والشعر أريد أن أطمئنه أنه وإن لم يكن من أولاده من هو على نفس تخصصه فهناك من أحفاده من يعتزم على ذلك بمشيئة الله،أم كنت أريد أن أعطيه نسخة من كتابي الأول (قصص بنت النيل) لكي أرى ردة فعله حينما يتلقى الكتاب الأول لحفيدته الأولى أم كنت أطمح أن أرى نظرة عينيه حينما يقرأ اسمه في قائمة الإهداء!
حقيقةً لا أعلم حقاً ما الذي دعاني إلى ذلك سوى أني وددت أن أكتب عن مشاعري بصدق تجاه شخص عزيزٌ عليّ شخص لم يكن جدي فحسب بل كان جدي ومعلمي وبطلي بعد أبي رحمهما الله جميعاً وأسوتي كذلك.
وأخيراً: كل عام وجميع المعلمين والمعلمات وأعضاء هيئة التدريس بألف خير بوركت جهودكم ونفع بكم ورزقكم الله علماً واسعاً وعملاً طيباً صالحاً ورزقاً نافعاً.
إليك يا جدي ويا معلمي…رحمك الله وجعل مثواك الجنة
من حفيدتك: حبيبه أحمد سليمان
يوم المعلم 5- 10 -2021م







