د. علي زين العابدين الحسيني
ألا تتفق معي أن الشخص قد يكتب عن النجاح وهو في معزلٍ عنه، فليس بالضرورة من يكتب عن شيء أن يكون متصفاً به، ولا نستطيع بأيّ حال أن نلزم الكُتّاب حين يكتبون عن أمرٍ ما أن يكونوا عاكفين عليه، ولو ألزمناهم لما كتب أحدٌ شيئاً، فلكلٍ ممن يمتلك ناصية الكتابة الأحقية في تسطير ما يُنتفع به؛ كالإنسان إذا لم يستطع أن يكون ناجحاً فبإمكانه توجيه الغير نحو التميز.
هذا أمر متفق عليه، حاله حال من يكتب في بعض العلوم، فليس كل من يكتب في الأدب يمكن أن يسطر نقداً فيه، وهو كذلك الأمر عند مَن يتعلم الفقه الإسلامي ويعلمه للناس فيمكن أن يكون غير قادر على إفتاء الناس في القضايا المصيرية؛ إذ مرتبة الإفتاء أعلى من ممارسة التعليم، وتحتاج إلى مؤهلات خاصة، فقد يكون الشخص عالماً إلا أنه غير ملم بواقع الناس.
ومما ينبني على ذلك أنه لا يفرق في واقعنا الأدبي المعاصر بين الأديب الناقد وبين كاتب الأدب، وكذا بين الشاعر وبين من يكتب الشعر، فالذين يكتبون الشعر أو الأدب كثيرون، بيد من هو أديب أو شاعر قليلون، ومن هم نقاد أقل من القليل، فالذي يكتب الشعر إنما يكتبه في أوقات معينة، وقد يعاني في كتابته، فتخرج الكلمات لا روح فيها، فيكون شعره عبارة عن كلمات موزونة لا أحاسيس فيها ولا ترابط بينها، وأما الشاعر بسليقته فإنه يكتبه حتى في أحلامه، وإذا صح لي التعبير فإن نفسه متشبعة بالشعر، وتخرج أنفاسه شعراً، وعلى قدر التفريق بين الأمرين تنجلي كثيرٌ من الحقائق.
إنّما نحن أشخاصٌ ابتلينا بمزاحمة غيرنا والتدخل في تخصصاتهم العلمية، فالكاتب لا يكتفي بأمر كتابته، ولكن يريد أن يكون شاعراً أديباً، والأديب لا يكتفي بأدبه بل تتوق نفسه ليكون ناقداً مؤرخاً، فيجمع بين تخصصات مختلفة في آن واحد، وهو ما يحكم العقل باستحالته، نعم قد تجتمع عدة تخصصات عند أشخاص، لكن يوجد عندهم من قوة الفهم وعمق النظر ما ليس في غيرهم.
لهذا وغيره يلجأ البعض إلى وصف نفسه بعدة أوصاف: أديب – ناقد – مؤرخ … إلخ، ومثل هذه الأوصاف يجب ألا يطلقها الإنسان على نفسه، ولا يخرجها من كيسه، بل تشاع عنه من قبل المتخصصين في هذا المجال، وهو ما دأب عليه العلماء قديماً وحديثاً، إلا أن ثم تغيراً حدث في الرسم العام للأدب، وانبنى عليه غلط المعاصرين في ذلك غلطاً فاحشاً، فتسابقوا فيما بينهم على هذه الألقاب.
أجل، إنما يلجأون إلى مثل هذه الألقاب أو الأوصاف لقلة مخزونهم الأدبي وضعف إنتاجهم، فاحتاجوا من الألقاب ما يرفع من شأنهم، ومن الصفات ما يعلي مكانتهم، والأصل أن كتابات الشخص هي التي ترفع من قيمته، ليست الألقاب أو الصفات؛ لأن الألقاب باتت مستباحة من الجميع، وصار لا يلتفت لها من أهل الوعي، لكثرة المتلبسين بها مع قلة إنتاجهم وضعف جهودهم.
وها أنا أضع بين يديك حقيقة مؤكداً فيها أن الشخص قد يكون أديباً ألمعياً، أو كاتباً مرموقاً، أو شاعراً مشاركاً، أما أن يكون كل شاعر أو كاتب ناقداً فذاك شيء آخر يحتاج لآليات كثيرة، وقراءة متعمقة، ودراسة مستفيضة، واطلاع دائم على المستجدات في عالم النقد.







