عُرف العرب منذ القدم بالشهامة والشجاعة والبسالة والشرف، وحين أقول العرب فأنا أعني سُكان جزيرة العرب الأصليين، الذين كانت تتمثل بهم هذه الصفات في الجاهلية، ثم جاء الإسلام داعمًا لها ومُعززًا لمكانتها، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال صلى الله عليه وسلم «خياركم في الجاهلية خياركم في الإسلام إذا فقهوا».
وعلى مدى العصور الإسلامية الذهبية التي تلت بعثة النبي محمد صلى الله عليه وسلم، أنجبت لنا هذه الأمة العظيمة عدة أبطال تكاد العقول لا تصدق مدى شجاعتهم وبسالتهم واستماتتهم في إحقاق الحق ودحض الباطل، ولعل أبسط نموذج أذكره في هذا المجال هي معركة “مؤتة” تلك المعركة التي دارت بين جيش من الروم قدره مائتا ألف مقاتل وبين سريةٍ من المسلمين قدرها ثلاث آلاف مُقاتل، بدأت تلك الحرب عندما أرسل الرسول صلى الله عليه وسلم الحارث بن عمير الأزدي رسولًا إلى ملك بصرى يدعوه إلى الإسلام فقتل الملك الرسول، فجمع الروم جيشهم ونشبت الحرب، و استشهد من المسلمين 14 رجلاً فقط، منهم القادة الثلاثة زيد ابن حارثة، ثم جعفر ابن أبي طالب، ثم عبد الله ابن رواحة؛ وبعدما استلم الراية خالد بن الوليد قام بمناورة سمحت للمسلمين بالانسحاب بعد أن كبدوا العدو أكثر من ثلاثة آلاف قتيل، وهي المعركة التي ذاع بعدها صيت القائد البطل خالد بن الوليد.
أربعة أبطال قادوا ثلاثة آلاف رجل يهزمون جيشًا بأكمله، أليست تلك أسطورة أقرب للخيال!
ولكن ما يُدمي القلب حقًا؛ أنك لو سألت ابنك أو حتى صديقك عن أحد هؤلاء الأبطال لما عرف قصتهم، ولن تجد طفلاً عربيًا مُسلمًا يحكي لك هذه الواقعة بتفاصيلها، وفي الوقت عينه لو سألته عن “سوبرمان” أو “بات مان” لأجابك بتفاصيلٍ مملة.
ولا يقتصر الأمر على البرامج الموجهة للأطفال فحسب بل تتجاوزها لما هو موجه للكبار، فما من فيلم تفاعلي حركي في السينما الغربية إلا ويمجد قوتهم وذكاءهم وعبقريتهم وتفوقهم العسكري والعلمي والعملي -وإن كان وهمًا- ولكنها تحمل رسائل داعمة لشعوبهم تزيد من ولائهم لأوطانهم وتحاول غرس الشجاعة -التي يفتقدونها- في قلوبهم، أبطال من ورق أنشأوا لنا جيلًا مأخوذًا بالغرب ومفتونًا بشجاعته ووفائه الوهمي، وفي ذلك إسقاط ثقافي مُتعمد لينشأ الناشىء نشأةً مشوهة متقوقعًا على ذاته، مكتئبًا مُحبطًا، سلبيًا غاضبًا طوال الوقت.
تلك الشخصيات الوهمية صنعها الإعلام الغربي بهدف زرع الشجاعة في نفوس أبنائهم، ذلك لأنه لا أبطال حقيقيين في تاريخهم، وعلى هامش المقارنة ماذا فعل إعلامنا العربي الإسلامي لتاريخٍ مليء بالشخصيات الخارقة الحقيقية!!
لست بحاجة لابتكار شخصيات وهمية وتضخيم أعمالها لتُشعر نفسك أو شعبك بالرضا، ففي هذه الأمة أبطال حقيقيون سيرتهم كفيلة بإذهال جيل بأكمله.
إنه لمن الغباء الإعلامي أن نزرع في ذاكرة أبنائنا قصصًا لأبطال وهميين من ثقافة تختلف عن ثقافتنا ودين يختلف عن ديننا، لقد آن الأوان لنعي ما تُملأ به رؤوس أبنائنا ونصنع مادتنا الإعلامية والترفيهية التي تُستمد من تاريخنا العظيم، لا أن نستجلب تاريخ غيرنا “الوهمي” وكأننا أمة فقيرة ثقافيًا وحضاريًا وتاريخيًا.

