رمش بعينيه عدة مرات، أغلقهما بشدة ثم عاود فتحهما، تسارعت ضربات قلبه ولم يشعر بألمه إثر الفزع الذي ألم به.
هتف لما حوله:
-أين أنا؟
هل فقد بصره؟ هل تم دفنه؟ لم يشعر بكل هذا الجفاف؟
شعر بوخزٍ شديد يعلن الحرب في حنجرته وهو يصيح منادياً في الفراغ حوله، حاول أن ينهض لكن الألم الذي غفل عنه سابقاً ثبته بقوةٍ شديدة أطلق صرخةً أخرى منه.
تدفق الدمع من عينه وهو يجاهد لمعرفة سر وضعه، إنه لا يذكر أي شيء، والألم الحارق في جسده يمنعه من التحرك. حاول تهدئة نفسه وهو يتحسس بكفيه الأرض الباردة تحته، التقط قطعاً صغيرة تحسسها وخمن أنها حجارةٌ مفتتة.
أيمكن أن يكون بداخل مبنىً سكني قيد الإنشاء؟ أم قيد الهدم؟ تعرق كفاه وهو يحاول أن يمد ذراعيه ببطء بينما الوجع ينتشر على كتفيه مروراً بظهره.
لمس بروزاً كرويا علم من ملمسه أنها كتلٌ صخريةٌ أخرى، أدار رأسه بحرص لكن الظلام لم يمنحه الرأفة، لكن لوهلة خيل إليه أنه رأى شيئاً يلمع، هل كان وهماً؟
ثبت رأسه على ذات الجهة لمدةٍ طويلة لكن التجربة لم تتكرر، بدلاً عنها تردد على مسمعه صوتٌ بعيد لخرير مياه، أرعبته حقيقة أن المباني لا يتواجد حولها مصدر مياهٍ جارٍ، إذن أين هو بحق السماء؟
حاول الاعتماد على جزئه السفلي لكنه لم يشعر به! توقف عن التنفس وهو يحاول تكذيب الفكرة التي خطرت له معاوداً الكرة في حث ساقيه أو وسطه على التزحزح، لكن جهوده باتت سدى والحقيقة المرعبة تغشى وعيه وتتركه يقع أسير سباتٍ مفزع!
عندما استعاد وعيه مجدداً، لم يعلم إن كان ما مر به حلمٌ أم حقيقة، لكن تكرار التجربة صدمه مجدداً، فاختنق بدموعه وهو عاجزٌ عن الصراخ.
لما لا يتحرك؟ كيف حصل هذا؟ من وضعه هنا؟
اللعنة! اللعنة على كل شيء! امتلأ قلبه بالغضب وانفجر طوفان غضبه فصار يضرب الأرض بكلتا يديه وينتشي بالألم الذي يمزق صدره.
فجأة شعر بقبضته تضرب شيئاً لزجاً وقبل أن يدرك ما حدث شعر بالكتلة اللزجة تلتف على معصمه وذراعه!
أصابه الفزع في مقتل! فطوح بيديه في كل الاتجاهات محاولاً التخلص بهلع مما يتشبث به، لكن تلك الكتلة ازدادت التصاقاً وزادت تمدداً حتى احتلت ذراعه كاملة دون أن تناله ضرباته الخائفة!
أغشي عليه مجدداً والفزع يهدد قلبه بالتوقف، ومرةً أخرى استيقظ دون أن يعلم إن كان وهماً أو حقيقة، لكن نبضات الألم التي انتشرت حوله نصحته بإكمال القصة.
ما عاد يشعر بذلك الرباط على ذراعه، مما منحه راحةً مؤقتة، كان متعباً من المجاهدة لذا قرر التوقف للحظات عن كل شيء والتركيز فيما حوله. كان صوت الماء لا يزال مستمراً كما هو وأمكنه أن يشعر بنسيمٍ خفيف يتهادى نحوه، لاحظ لأول مرة رائحة المكان حوله، كان خالياً من رائحة الطلاء والحديد مما زاد يقينه من كونه في مكانٍ لا يقع في المدينة.
لمس جسده فوجد قميصه رطباً وشعره مبللاً، لكنه لم يحسم رأيه إن كان بسبب تعرقه جراء الجهد الذي بذله، أم أنه جُرفِ في نهرٍ أو ما شابه. لكنه غدا واثقاً من شيءٍ واحد، إنه في كهف، الجدران الحجرية التي استند عليها والأعشاب المتدلية التي لمسها أثبتت له ذلك.
لكنه لازال لا يذكر كيف وصل إلى هنا، تنهد بإرهاق وهو يشعر بنقرات الجوع وحرارة العطش تهاجمانه، حاول أن يقدر المسافة التي تفصله عن المياه، أدرك أنها لم تكن بعيدة، لكن الخوف بدأ ببناء حواجزه أمامه، ماذا لو صادف مخلوقاتٍ أخرى غير تلك الأخيرة، ماذا لو أخطأ تقدير المسافة ولم يستطع الوصول؟ وحتى لو وصل كيف يضمن أن المياه على ذات مستوى الكهف وليست أعلى أو أدنى منه؟
لكن في ذات الوقت أدرك أن بقاؤه في مكانه يعني موته لا محالة. لذا لم يجد بداً من حشد قوته وجر جسده المتهالك وسط الظلمة الحالكة نحو الصوت البعيد.
جُرحت يداه من الزحف وقطع الحصى، كاد ظهره ينقسم بسبب الجهد الشديد الذي يضغط عليه، شعر بسائلٍ ساخن ينسكب برفقٍ ما بين كتفيه ولم يحتج الكثير ليدرك أنه دمٌ من جُرحٍ خفي. بدا الطريق وكأنه يمتد للأبد، وأخذ اليأس يزين موكب الاستسلام له، لكنه شغل نفسه باكتشاف ما حوله وشيئاً فشيئاً شعر أنه يرى المكان حوله بأذنيه! خريطةٌ مبهمة لتردد صوت أنفاسه جنبته الاصطدام بالصخور من حوله، حركاتٌ سريعة نبأته أن مخلوقاتٍ أخرى تراقبه بحذر وتنتظر حركته، استطاع أن يشعر بالهواء يناديه ويشتم رائحه النباتات من بعيد.
وأخيراً رأى ضوءً مشرقاً يشدهُ إليه كحبل النجاة ينتظره على حافة الطريق.
شعر أنه يستطيع أخيراً أن يرى المياه والطيور والشمس والسماء، شعر بذلك وأغمض عينيه في سكون بينما تبخر وعيه وسط ابتسامةٍ لن تزول.
“لا يمكن لأحد أن يقول ما يحدث بين الشخص الذي كنت والشخص الذي تصبح فيه. لا أحد يستطيع رسم هذا القسم الأزرق والوحيد من الجحيم. لا توجد خرائط للتغيير. لقد خرجت للتو من الجانب الآخر.
أو لم تفعل. ”
– ستيفن كينج

