ثم حين تزداد كمية الممارسات علينا من قهر أو ظلم، أو إهانة، أو أي معانات، تنهض الذات لتصرخ فجأة كما يصرخ الجسد من الألم، فعلى ما يبدو أن هناك قاعدة واحدة تعمل وفقها ذواتنا واجسادنا، إذ تتعامل مع الألم بالطريقة نفسها التي تتعامل فيها مع المجهول.
وقد يحدث إرتباك في كل أفكارنا ومشاعرنا بسبب ذلك العجز الذي تدور فيه الذات لتلجأ إلى ما يجعلها تتخطى الألم بداخلها بالطريقة نفسها التي يلجأ فيها الجسد إلى أي مُهدأ أو مُسكن ليشعر بالخدر أو الراحة، وخاصة حين تزداد المعانات عليه.
مذ بداية انتشار كوفيد 19 نوعا من الرتابة المجهولة طالت العالم، وأخذت تنفض الإنسان من على جسدِ الحياة، وظلت الأيام تمشي مقوسة الظهر من الألم المجهول علاجه؛ لتبقى بصورةٍ ترعب الناس، فئة كبيرة من العالم حاولت الهروب من زاوية انحسارها مع ذاتها، و البعض لم يهتم وأخذ يتحايل على عقله ويسيطر عليه بعبارةِ أن لا وباء هنا ولا فيروس، رغم إن كثرة كان الانتظار سيد موقفها بلعلهِ الأسبوع القادم، أو الشهر الآتي تنتصر البشرية باكتشاف لقاح يقضي عليه، و منذ ذلك وإلى حين وُجد اللقاح، و لكن لسوء الحظ من جانبا آخر ظهرت فجأة و بدون سابق إنذار سلالة جديدة من كوفيد 19، فبات صراع الفكر في الأول مشغول، و على مايبدو إن الذي لا يُرى استطاع أن يغير مسار نظر الحياة والعقل إلى المجهول المؤلم، فبعد تقريبا سنة من الزوابع مع كوفيد 19 و محاولة التعايش معه ماذا ينتظر العالم؟
منذ قرابة شهران وكأنه زحفا من الرتابة والصمت كذلك خيم على قلمي، فلا شيء أثار الدهشة فيه لينطقه، لا شيء جديد غير أحداث تتوارى وتتكرر ليست مغايرة عن الخيبات في الأيام والسنوات الراحلة، ولربما أربكت نبض ذاتي لتدخل في غيبوبة الصمت، أ لربما وجودنا أصبح غير موجود؟ أو يحتاج إعادة تأهيل ليعرف كيف يحاكِ اللامعقول، أم الكرة الأرضية دخلت في غيبوبة من مرض.
ولكن يمكنني القول إن كل الآلام في الجسد يمكن تجاوزها إلا الآلام في الذات التي تاتي من سببٍ مجهول أو شخوص قريبة قفزت لتحطم قلبك، أو ماترتكبه الحياة في الإنسان لتكسر قوته، فمن أكثر الأمور صعوبة حين تتهاوى على روحك بصمتٍ يبكي، مما يجتاحك شعور متعب يرمي بك على سرير المرض، يجعلك متألم إلى الحد الذي ينهش الألم كل أنفاسك محاولا النهوض أو منتظر يد تمتد لتساعدك، فيتبادر إلى ذهنك كل شريط حياتك و كل علاقاتك التي ركضت لتحافظ عليها و كانت تتكاثر حولك و غدت في هذه الدقيقة جوفاء، كوحدة قاتمة، لا حضن يعانقك هنا إلا سرير المرض،
–و تذكرت عندما أنكمش على نفسي لأدخل حضن أمي محاولة الهرب من العالم لأمانٍ يسعني، لأني كنت متأكدة أني لن أجد أمانًا كحضنها، و كيف حينما أحاول أسافر وأعود لطفولتي، فلا أرى سوى ابتسامتها، وطبطبة يدها الحنونة على رأسي، كدواء يداوي روحي-.
لربما أصبحتُ أُهدي، و لكن على مايبدو إن الألم والبصيرة لهما باب واحد ينفتحان على بعضهما، فكما تقول أمي دائما لي: لا بأس أن نمر في متاهات الألم فقد يكون هو الطريق الذي يوصلنا لبصيرتنا، فنعرف ذاتنا ومن حولنا.
و ثمة كلما أزداد الألم في قعر ذاتك يكتم أنفاسك ذلك الشريط الذي ترى فيه نفسك كم كنت مجبور على التعامل مع تلك الأصناف من البشر؛ تلك التي لم تعي قوله تعالى: (أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ) – (البلد-5).
حتى تدور في دوامةٍ تجبرك أن تعيد الفهم في نفسك وتعيد قراءة من حولك و كل علاقاتك، لا مُهدأ يريحك ولا مُسكن يخدر الأمك سوى ما تفرزه ذاتك من مشاعر تعمل وفق قاعدة لربما بطيئة أو بسرعة قصوى تنتشلك من دوامة الألم لتعيد تأهيلك للحياة من جديد، كما يعمل الدواء في الجسد، فتُرتبك و تزيل الضباب من على بصيرتك لتفهم ما يحدث من حولك. كمريض يواجه مصيره وحده في اللحظةِ التي ينهش المرض جسده وينتفض من الألم، هي نفسها اللحظة التي تنفض الأحبة والأصدقاء من حوله، وتنكشف الحقيقة المرعبة على و حدته في هذا العالم، فتتوضح له أمور لا مثيل لها.
ما أقصده فعلا تلك الأصناف التي تحب أن تأخذ كل مافيك، و تخدش كل روحك لتفتك بك حتى تصيبك بالسقم، تماما مثل الجسد حين يتفكك من شدة الألم ولا يعد صالحا للحياة، فهي دائما ماتعرف كيف تتحايل وتطرق باب قلبك، وكيف تلتصق به كجرثومة تلوث النقاء الذي جعلته للأنقياء مثلك، فتعبث بكل جسورك وخاصة العاطفية التي بنيتها بكل جهدك لتحافظ على صحتك النفسية و الكون المتين في عقلك – و كم تراءت لي تلك الأعمدة و الجسور التي شيدتها بكل ما أوتيت من حُب وثقة لأراها بعينٍ مختلفة – ، حينها تدرك معنى كل ما تقرأه في الكتب والروايات من علاقات وصداقات وأحبة إنما مجرد أوراق لا تتعدى الغلاف والواقع شيئا مختلف، فتلجأ الذات لأعماقها، كما هي المرحلة من بداية جائحة كورونا التي لم ندرك أنها كانت تحاول أن تمهدنا أن نلجأ ونفهم ذواتنا كعلاج بطيئ يعيد تأهيلنا لمرحلة جديدة في الحياة.
فماذا نحتاج لتنحسر الذات لذاتها؟ ماذا نحتاج لنعي غربتنا مع أنفسنا التي لا نكتشفها إلا عندما تُصبنا هزات تفكك قضبان العلاقات المتعبة التي شيدناها بصدق، دون أدراك منا لِمَ خلف ستار الذي أمامنا من القُبح، أ دائما نحتاج موجة ألم تصفع جدران الرقيق بداخلنا ليشعر الإنسان فينا بمعنى الألم، أم ننتظر نزول شارة حتمية الرحيل و معنى الفناء لوعودٍ شُيدت من زجاج.
أنا لست من أولئك الذين يعتقدون بحتمية الموت بعد مكوث الألم أو المرض في جسدٍ دخل غيبوبة لسنوات طويلة، لكنني من الذين يؤمنون بقدرة المولى تعالى إن كان للجسدِ مزيدٍ من العمر سيفيق ولو بعد حين.
ولكن يرأودني سؤال كم نحتاج من الزمن ليتسع أفقنا وتنار بصيرتنا؟ ألا يوجد في الحياة شيئا يجعلنا نفهمها بشكلٍ كافي لئلا نكرر أخطاءنا دائما، ثم نُجبر أن نلجأ لأخذ الدواء بعد وقوع الأصابة التي حتما ستوصلنا لواحدٍ من مستويات الألم أو لربما ستوصلنا لحتمية الموت، حيث لا ضماد هناك ولا دواء.
ويبقى ليس ثمة لقاحٍ للذاتِ إلا البصيرة، والذي ربما الكثير يجعله في الخيارات الغير مهمة، أم إننا أصبحنا غرباء عن ذواتنا و بحجم ما تقاسمناها مع الشخص الخطأ ضاعت منا.
حق للذات علينا حين تضربها الحُمى أن تُدَاوى كما يُدَاوى الجسد، قد لا يتبادر إلى ذهنك ما يعنيه هذا إلا عندما يصادف يوما و تنكمش على ذاتك من شدة التعب، محاولا أن تجد علاج ينتشلك من قاع ألمك، كحُمى سكنت جسدك تجبرك أن تبحث عن يدٍ بها أمان كأمان يد أمك؛ لتزيل مرارة مايحدث بك.
فـلتكون الذات مستعدة لتعلن سعادتها بكل حرية و تتجرأ لتحذف من لا يحترم ذاتها من قائمة اهتماماتها، فكم هي حجم الثقة التي ستطال النفس حين تتركه يسقط وفق خياراته التي أختارها، دون محاولة منها في التشبث.
ثم بعد ساعات سندخل عام جديد و ستبقى هذه الأيام كلها في أوراقٍ مغيبة و ربما لن يلتفت لها التاريخ، أ هناك شيئا يستحق أن يُذكر؟ أم يفترض أن نستحضر أيامنا لِنُأهل ذواتنا لعامٍ جديد، تماما كإعادة تأهيل الجسد المريض للحياة من جديد.
