تتسم النفس البشرية بمزية التشبث بالأشياء، لا سيما التي تتهندم بالمرغوب وتحوي جوهر الأمنيات والرغبة، هي نزعة في باطن الإنسان تُصيّره مُجالدًا بشأن ما يود، متشبثًا فيه بكل صيغة، وبرغم أننا نتفاوت في طرائقنا لخوض هذا السجال وفي طاقاتنا، لكننا لا ننفك نمارس التشبث ولا أدري حقيقةً هل نمارسه أم يتلبّسنا مع الوقت فيصبح قيدًا وعقبة!
نتمسّك كثيرًا ولزمن لا يستهان به بالكثير، أحلام، أشخاص، مسالك وعواطف، كأننا بهذا نستجدي خطوة تقاربنا للوصول وللقاء وللرأفة بهذه الجوارح المتأهبة الصارمة جدًا بخصوص كل ذلك، بَيد أنّنا نحاول كثيرًا أن نفلت من قبضة هذا القيد، أن نتجدد، أن نُمنَح خلاصًا يُذهِب عنا أغبرة ذاك الذي لا يجيء، والذي ليس لنا، والذي كان انتظاره محض هدر..
تغرقنا أحيانًا هذه النزعة، فثمة أشياء في صميمها تهلكة للطبيعة الهشة التي تمثلنا، تمسّكنا بها أشبه بالاعتصام بسراب، نراه وحدنا ولا نقبض عليه، نتقدم خطوة فيبتعد، نُراهن عليه فيزداد بعدًا!
مثل هذا التشبث يقتلنا ببطء، جُرم في حق ذواتنا بعض الوفاء للأحلام التي لم يعد يلائمها في الحديث قالب، جُرمٌ هي انتظاراتنا العصية عن الزوال لأشياء لم يعد لها محل ولا درب تسلكه إلينا، تتشبث بنا أو نتشبث بها الأمر سيّان، لن ننجو قطعًا من وهن كل هذا الإخلاص والتمسك طوال كل هذه السنوات، بيد أن نزع القيد سيفتح الآفاق ويجلي الروح بالمستجد الذي يلائم، سيسمح بحق الظفر بالأشياء، سيزحزح من هيمنة هذا الحرمان الذي صعّده التمسك بأشياء لم نجدها، لم نقبض عليها رغم الكفاح والسعي والصلوات ومناعتنا بشأن نسيانه، هنا يصبح التخلي مطلبًا بل حتم، يغدو الشجاعة التي تقف عائقًا لبجاحة كل شيء يتمدد فينا بلا طائل، ينهشنا فحسب، وسيظل محفورًا في أرواحنا ونتذكر إثره دائمًا كم كُنا أصلاء حد الغلو، كم كُنا على يقين لاذع حد التمرغ في المضائق دون وقفة، كم كانت سجيتنا في التشبث تطغى كثيرًا على نزعات المرء في التفتيش عن مخرج!
لا يمثل الثبات والتمسك في كل الأحوال مزية وسلوك محمود، أحيانًا يغدو التمسك هدرًا والثبات تهلكة، ثمة أمور في الحياة نحتاج في شأنها لبطولة التخلي، والبدء من الخطوة الأولى التي لم نكن فيها ندل الوجهة، الفرق أننا عدنا لهذه الخطوة بأعطاب العبثية، نجرّ خلفنا رمائم السنين التي مضت في الانتظارات دون وقفة، بداية يتداخل فيها الوهن والشجاعة، فبعد جزئية هذا التخلي لن نعد نحن، على الأقل من الداخل؛ ففي عُمق كلٍ منا مخاضُ التعويض الذي يعني التخلي المحمود في سبيل أن نكون الاستثناء نحن هذه المرة في سِجالنا مع السنين.
تقول أحلام مستغانمي:
” الفاجعة أن تتخلى الأشياء عنك لأنك لم تملك شجاعة التخلي عنها!”
يحدُث أن نعاني من هذا التخلي ولا بأس، لكن الفاجعة الحقيقية ألا نعي أن التخلي أحيانًا هو الخلاص قبل فوات الأوان، وأن للخسارة وجه حَسن أحيانًا ليست دائمًا وحشية، فما أفظع أن يقضي الإنسان كل عمره مطاردًا تلك الأشياء التي لا تجيء، حد أن يخسر حصته من لُقيا الأحلام ومنحة الوصول!
اليقين أيضًا في بعض الأحيان يُساء فهمه، فلا يوجد يقينًا عبثيًا إلى هذا الحد إلا وكانت في صميمه دعوة للحِراك بعيدًا نحو الجهة المُعاكسة.

مفازة التخلي.. ياله من عنوان رائع ومقال رائع من كاتبة أروع..دام قلمك الموهوب يا أستاذة أروى..كعادتك أنت والإبداع وجهان لعملة واحدة 👍🏼👏🏼🇸🇦🥰👌🏽