للنفوس التي تسعى تحت حر الشهور لوقتٍ طويل، ولمن أسرعوا في مضمار الحياة كأن بساط العمر يُسحب من تحت أقدامهم سحباً، ولأولئك المحتارين عند منعطف الطرق، وللتائهين في بيداء الحياة، للمتهالكة أرواحهم وأجسادهم؛ استرحوا بظله فها هو ذا قد أتى رمضان.
هنيئاً لكم فقد بلغتم غيمة الشهور فلكم أن تهدأ أرواحكم وتسكن حتى تنسى ما أصابها، ولكم أن تطلبوا ماشئتم فإن فيه ليلة خير من ألف شهر. هنيئاً لكم فقد بلغتم استراحة الشهور فاغتنموها برفع الدرجات ومغفرة الزلات و تجديد الود ورفع الطاقات وإصلاح العلاقات.
ها هي ذي غيمة الشهور قد بلغتموها، متعبين من قيظ ما فات.
ها هي ذي إذاً!
أراها تلوح في الأفق بطاقتها القدسية التي لا تخطؤها روحٌ مؤمنة، برائحتها التي نتنفسها كل عام كأنها أول مرة. وبفرحة الهلال التي مهما تكررت لا نعتادها أبداً وذلك الإحساس الذي يجمع المسلمين جميعاً أينما كانوا وكيف كانوا على وجه الكرة الأرضية. رمضان يجمعنا شعورياً لا جغرافياً، طالما نشترك بالشعور فنحن معاً دوماً.
فلكل من أتعبته الشهور بسرعتها وبشقائها، لكل النفوس المكروبة، المتألمة، ولتلك التي لا يعلم بحالها أحد..
ها قد أرسل الله إلينا ثلاثين يوماً من العناية الإلهية بقدسيتها وجلالها وسكينتها، ثلاثين يوماً لتطبيب قلوبنا والتئام جراحنا، لنتذكر خلالها أننا لله وبه وإليه في كل الأوقات، فنتنفس ذكره ونجوع ونأكل وننام تعبداً، نمتنع ونتهذب تأدباً فتكون حياتنا كلها لله. ندعوه برمضان بما أملتنا به بقية الشهور ونشكوه ما فعلته، فنتفاجأ بالمعطيات السحرية و بالحلول العجيبة. فبمرور السنين ندرك أكثر فأكثر عظمة هذا الشهر وأنه لشهر أشبه بمعجزة، فهو فرصة كل مذنب ومهموم ومتعب وطامع بخيري الدنيا والآخرة، ها هي ذي فرصة الجميع ولأنه لا أحد يدري متى هي فرصته الأخيرة مع هذا الشهر؛ وجب علينا جميعاً عيش كل رمضان كأنه آخر رمضان لنا في العمر.
