إن الذاكرة لتفيض بكثير من الصور الحضارية التنظيمية ، التي كانت تنعم بها مكة المكرمة قبل الإسلام وبعده، فبحسب موقعها الاستراتيجي فإنها تُعتبر نقطة وصل مهمة بين شمال جزيرة العرب وجنوبها ، وبين القارة الافريقية ووسط الجزيرة العربية، ولهذا الموقع الاستراتيجي اصبحت مكة المكرمة مركزًا تجاريًا عالميًا آن ذاك ، ولعل التاريخ يُعرفنا ايضاً على رحلتي الشتاء والصيف الشهيرتين التي كانت تقوم بها قبائل الحجاز مجتمعة بهدف التحارة، فأنتعش الاقتصاد في تلك المنطقة بفضل حُسن التنظيم ودقة التخطيط الذي كان يقوم به التجار ، وانتشرت كثير من الاسواق اتسع نطاق شهرتها الى ابعد من حدود جزيرة العرب كسوق ذي مجاز، وسوق مجنة في موضع قرب مكة المكرمة.
هذه الاسواق لا تقل في تاريخها ولا شُهرتها عن سوق عُكاظ، والذي -بسبب التنظيم الجيد- اصبح الآن من اشهر المعالم التاريخية التي تجذب الزوار من شتى انحاء العالم ، ولا أعرف حقيقةً “بأي ذنب قُتلت” ، ولماذا اُزيلت وكأنها لم تكن! ولم يتم بشأنها ماتم في سوق عكاظ ؟
في حين اننا بلد له تاريخ عريق بل تاريخ يُعتبر من أجمل الحضارات على وجه الارض ، ومن الجدير بنا الاهتمام في هذه الناحية خصوصاً في مكة الكرمة كونها مقصد ملايين المسلمين، خاصة أن الدولة رعاه الله لم تدخر جهداً في سبيل تطويرها وعمارتها ،ولكن الجوانب التاريخية والثقافية فيها لم تصل للمستوى المأمول حتى الان .
فكم كنتُ أتمنى او أن الهيئة الملكية لمكة المكرمة والمشاعر المقدسة أعدت خططاً لإحياء هذه الاسواق مُجددًا بل وطورتها ونظمت بداخلها الكثير من الفعاليات الدينية والثقافية التي تليق بمستوى ومكانة مكة المكرمة دينيًا واجتماعيُا، واختارت تواريخاً مُناسبة لموسمي الحج والعمرة وفعّلت تلك الاسواق في هذه الفترات لتكون مقصدًا ترفيهيًا وتعليميًا وتثقيفيًا للحاج والمعتمر، لأن مكة المكرمة قبلة المسلمين دينيًا ومن الجدير بها ان تكون قبلتهم تجاريًا وثقافياً ايضاً فهي مركز العالم بالنسبة لنا كمسلمين.
وعلى ذات السياق الثقافي وبالقرب من هذه الاسوق يتم انشاء مركز حضاري لأم القُرى، ففي كثير من المدن والمحافظات ببلدنا الحبيب وحتى الصغيرة منها يوجد مركز حضاري خاص بها، تِقام فيه الاحتفالات الرسمية والفعاليات الثقافية والكثير من الامور الحضارية لسكان المنطقة ولزائريها، ومن باب اولى ان تحصل عاصمة العالم الاسلامي مكة المكرمة على المركز الحضاري الأهم بينها جميعاً ، وذلك لانه لايخفى على الجميع مكانتها الدينية والاستراتيجية لدى العالم الاسلامي.
ان الاهتمام بالموروث المكي الأصيل واظهاره في إطار حضاري منظم لهو الهدف الاسمى الذي يجب ان تتجه له الهيئة الملكية لمكة والمشاعر في جميع مخططاتها القادمة لتطوير المنطقة، ولاسيما العمارة الاسلامية التي كانت تتفرد بها مكة المكرمة عن سائر مدن العالم منذ فجر الاسلام الأول ، نحن امةُ انعم الله عليها بكثير من الفضائل من اهمها العلم والعمل فكان حقًا علينا ان نخدم أم القرى بإظهار ذلك الإرث الثقافي والأدبي وابرازه لتتحول مكة المكرمة الى اعجوبة حضارية حقيقية نتحدى بها كُل مُدن العالم اجمع.







