يعرف الجميع ان مكة المكرمة هي وجهة العالم الإسلامي الأولى، وهي مقصد ومُنتهى أُمنيات مليارات القلوب المسلمة، ما إن تهبط أقدامهم عليها حتى تمتليء ارواحهم بشاعرية المكان وروحانية المشاعر، وتتعلق قلوبهم بالمكان ارضًا وحرمًا وفضاء، فحب بكةً امر لايختلف عليه اثنان، ولأنها ذات مكانة عظيمة في نفوس جميع المسلمين، وذات هيبة أعظم في نفوس غير المسلمين، ولأنها عاصمة الإسلام الأولى ومنبع الرسالة كان تطورها لزامًا على كُل مسؤول ، والتفكير والعمل على انزالها المكانة الحضارية التي تستحق امر لا يقبل التسويف او التنظير .
إن مكانةً مكة المكرمة دينيًا تقتضي بالضرورة مكانتها الحضارية والثقافية والإستثمارية، كوجهة اولى للعالم الإسلامي وواجهة يُفترض ان تكون مُشرفة وتعكس تطور العلوم الثقافية والحضارية للعالم الإسلامي، ففي هذه الارض المُباركة نزلت الكلمة الأولى التي غيّرت وجه العالم ونقلته الى حضارة مُتسارعة، هُنا نزلت كلمة “اقرأ” في غار حراء بمكة المكرمة حيث السكينة والتأمل والتفكر هي ركائز للمعرفة، فكيف تكون الارض التي هبط فيها الأمر “اقرأ” خالية تماماً من اي معارض للكتاب..؟
الا يُفترض بهذه الوجهه الدينية العظيمة ان يكون بها مساحة «ارض معارض» تُقام فيها الفعاليات الثقافية والتي من اهمها معرض الكتاب!
كم من المثقفين والمفكرين والفلاسفة المُسلمين يزورون مكة المكرمة بُغية العمرة او الحج ثم يُغادرونها دون ان نستقي من علمهم او نستفيد من ثقافتهم ، فنخسر بذلك تعارف الثقافات وتلاقح الافكار والذي هو من مقاصد الحج والعمرة الاجتماعية العظيمة، لأننا لو فعلنا ذلك لتحولت مكة المكرمة من مقصد ديني فقط الى مقصد حضاري وثقافي ومنهلاً لُطلاب العلم والمُثقفين والمهتمين بهذا الجانب.
ثم إن مكة المكرمة شرفها الله تفتقر كثيرًا للاستثمارات العملاقة في مجاليّ الصحة والترفيه، فلو كُنت صاحب قرار بها لقمت بتوزيع اراضي استثمارية في الاربع جهات من مكة المكرمة ، تُستثمر في بناء مستشفيات ومصحات ومراكز متطورة للقطاع الخاص ترتقي بجانب الخدمات الصحية فيها ، خاصة أن مكة تفتقد لمستشفيات خاصة على مستوى عالي مما يضطر ساكنيها للتوجه لجده للإستفادة من المستشفيات الخاصة المتقدمة بها ، ولو كانت تلك الأراضي المخصصة للقطاع الصحي للإستثمار خارج حدود الحرم لكان أفضل ،حتى لا يكون هناك عائق من عمل غير المسلمين بها ، بالإضافة لتخصيص أراضي إستثمارية أخرى تشمل مراكز للياقة البدنية والرياضية والعلاج الطبيعي مُقسمةً للجنسين بحيث كُل ركن من هذه المناطق الاربع تخدم عددًا من الاحياء المتجاورة في نفس المنطقة وفي نفس الوقت نكون استثمرنا المساحات الشاسعة خير استثمار يدر دخلاً مالياً للأمانة ويقدم خدمة للمجتمع المكي .
ثم يتحول العمل على الجانب الترفيهي ولا اقصد به هُنا الحدائق العامة ، ولكن الجلسات الخاصة والتي نراها تتكدس في حجز السيارات طوال العام في منظر اقرب للعشوائية ، والله ان الناظر الى ذلك المشهد ليخجل من كونه موجود في اطهر بقاع الدنيا مكة المكرمة، مالذي يمنع من تنظيم هذه الجلسات وزراعتها وتنسيقها في مظهر حضاري يعكس وجه مكة المكرمة الحقيقي! ويوضع اكشاك صغيرة او مساحات للـ “فودتراك” بحيث تكون منسقة ومرتبة امام هذه الجلسات لتخدمها وتكون متنفس للأهالي ، وتقدم فرص استثمارية صغيرة للاسر المنتجة، وتكون هذه المساحات الخضراء والاكشاك متوافرة في كُل جانب تقريبا من جوانب مكة المكرمة الاربعة، التي يوجد بها أربع مواقع لحجز السيارات لا يستفاد منها الا في موسمي رمضان والحج ، لتؤمن الترفيه الذي يبحث عنه الشباب او العائلات بعيدًا عن العشوائية وضعف مستوى النظافة.
هذه امنيات اتمنى ان اراها تتحق على ارض الواقع في مسقط رأسي الحبيبة مكة المكرمة، فهي الاحق والاجدر بالتطوير الحضاري والثقافي من غيرها من المدن ، والاهتمام بها من جميع النواحي الحضارية والثقافية والعمرانية والصحية والتعليمية والتقنية وغيرها، وعدم الاكتفاء بتطويرها دينيًا او التركيز على منطقة الحرم دون النظر لباقي احتياجات هذا البلد الامين .





