تزخر بلادنا بحمدالله بعدد كبير من الجمعيات الخيرية التي تقوم على إعانة المحتاجين وتلمس احتياجاتهم وتدعم الدولة رعاها الله تلك الجمعيات بمبالغ سنوية عن طريق وزارة العمل والشؤون الاجتماعية وكذلك يقوم المحسنين جزاهم الله خير بمد يد العون والمساعدة لتلك الجمعيات من زكوات أموالهم وصدقاتهم طلباً للأجر والمثوبة ، وهذه من الأعمال التي حثنا عليها ديننا الحنيف في التواصل والتلاحم بين أبناء المجتمع الواحد
بعض الجمعيات الخيرية تقوم بدورٍ عظيم في تنمية المجتمع و مساعدة ذوي الحاجة من خلال ماتقدمة من برامج أو دورات تأهيلية أو حتى نفقات تُساعدهم على مواجهة متطلبات الحياة، وهذه الأموال التي تقوم عليها الجمعيات هي من مصادر معروفة لدى الجميع كونها قادمة من الصدقات والتبرعات والزكوات، فنحن نعيش في بلدٍ مِعطاء يُمثّل الترابط المجتمعي المثالي الذي دعا له ديننا الحنيف
إن بعض الجمعيات الخيرية بل اغلبها تشتكي دائمًا من قلة الموارد، في حين يتزايد عدد الفقراء والمحتاجين وتعتلي أصواتهم بالمناشدة والمطالبة ، وهي بذلك تُعاني بشكل واضح وصريح من فشل ذريع في التخطيط الاستراتيجي والتنموي وفي الإدارة المالية كذلك، فكُل ما يحدث من تخبطات هو نتائج لذلك الفشل في عدم مقدرة الجمعيات على ضبط الواردات والصادرات المالية، والإعتماد -في غالب الجمعيات- على الإدارة المطاطية وهي الإدارة التي لاتكون متخصصة لا إدارياً ولا ماليًا فتسبب بطء في إتخاذ القرارات وحل المشكلات وبالتالي تعثر ملحوظ في سير العمل ولست اعرف هل أسميه سوء إدارة ام فساد!
إننا نرى في مقر بعض الجمعيات الخيرية فخامة باذخة في التأثيث تُنافس في فخامتها فنادق الخمسة نجوم ، بل وتتفوق عليها بتجديد سنوي كامل لجميع الأثاث والمكاتب والسيارات وإعادة ترميم وتجديد المقر، إن تهيئة بيئة العمل أمر مهم للغاية من أجل القيام بالمهام المنوطة بالجمعيات ولكن يكون بقدر الحاجة لذلك وليس بهذا الشكل المُسرف فيه على حساب الهدف الأساسي من الجمعيات وهو مساعدة المحتاجين ، بل إن البعض من القائمين عليها تجاوز الأمر إلى ما يسمى بمكافآت العاملين بها ،حيث تجاوزت مكافأة مدير الجمعية مثلاً في بعض الجمعيات إلى اكثر من خمسة عشر الف ريال شهرياً وهذا مبلغ ليس بالبسيط لشخص متفرغ تماماً ومتخصص فما بالك بشخص غير متفرغ ولا متخصص في الإدارة المالية
والسؤال هنا لماذا رواتب مدراء الجمعيات الخيرية يوازي ويفوق رواتب بعض مدراء اكبر الشركات التجارية وهم متطوعين ولديهم وظائف اخرى غير عملهم في الجمعيات!
وهنا أرى ضرورة تحديد مكافآت مدراء الجمعيات والعاملين بها، مع ضرورة سعودة جميع الوظائف بها ، بحيث لا يتم إستنزاف أموال المحسنين من أجل رفاهية المتطوعين كما يسمون أنفسهم – مع الإشارة إلى وجود متطوعين حقيقيين لا يتقاضون هللة واحدة مُقابل عملهم- إنما بعض النماذج التي إتخذت من العمل الخيري سلمًا لتحقيق مآرب مادية دنيئة، دون ادنى تفكير بمن ينتظر تلك الأموال ليسد بها حاجته وجوع أبناءه
كما انني اقترح إعادة النظر في طريقة تصريف تلك الأموال بحيث تُحدد الاحتياجات الفعلية للمجتمع ولا يكون الأمر فقط مجرد تعبئة لجداول روتينية في الجمعيات من أجل اثبات طريقة صرف ما يصل للجمعية من تبرعات المحسنين دون مرعاة لحاجة المجتمع الفعلية، وترتيب أولويات لتلك الإحتياجات ، فعلى سبيل المثال يكثر بشكل كبير عملية توزيع المياه المعلبة بشكل مبالغ فيه ، ومن وجهة نظري المتواضعة والقاصرة أن الإحتياج للماء ليست ضرورة تستوجب الصدقة في ظل ماهو أهم وأكثر حاجة، فجل الجمعيات تجعل كُل تركيزها على سقيا الماء وهو أعظم الأعمال كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ولكن عندما يكون الماء شحيحاً أما الان فالماء متوفر وليس بعزيز فلماذا لا تستغل تلك الأموال في رعاية الايتام وكفالة الأسر المحتاجة ومساعدة الأرامل والبحث عن المحتاجين في الاماكن النائية وحتى في من يسكنون بالبادية والوقوف على إحتياجاتهك ودعمهم اجتماعيًا
إن الجمعيات الخيرية لديها موارد مالية كبيرة ، ولكن إدارتها مع الاسف ضعيفة جدًا وهذا ماجعل الفقر والحاجة تنتصر في نهاية المطاف رُغم تبرعات أهل الخير ودعم حكومتنا الرشيدة لهذه الجمعيات، فلو صُرفت جميع المبالغ التي تدعم بها الحكومة هذه الجمعيات لرواتب العاملين وتهيئة مقر الجمعية بما يتناسب مع اعمالهم وتُخصص أموال المُحسنين للفقراء والمحتاجين والاعمال الخيرية الأخرى لكان ذلك اكثر تنظيمًا للعمل و أقل هدرًا للمال، وبذلك نحقق رغبة المحسنين في صرف تبرعاتهم كاملةً للمحتاجين
إن صور الفساد في الجمعيات الخيرية كثيرة ولايمكن حصرها، وضعف الرقابة على هذه الأعمال الخيرية جعل منها بيئة ممتازة للإستغلال والنهب والفساد ، في حين أن الفقراء الفعليين والذين ماوضعت هذه الجمعيات إلا لهم، يقفون في طوابير الإنتظار مُنتظرين إحسان مُحسن -قد يصل وقد لايصل .


