بقلم/ إيمان الجمعة
بالنظر إلى نشأت الإنسان وطريقة عيشه مع بني جنسه، وكيف هي طريقة تأثره واكتسابه للعادات و المعتقدات من أبيه وأمه ثم من محيطه ليقلدها ثم تصبح عادة لتتحول فيما بعد إلى معتقد ونهج حياة، في حين قد لا يصل الإنسان للنضج الذي يسمح له بالتفريق بين المعتقدات الزائفة أو الصحيحة فيصل به الأمر إلى تقليد كل شيء دون وعي منه ، مما يثير الحيرة و التساءل هل إن المقلد للآخرين لايثق في ذاته أو بمالديه؟ أم هل لا يثق في ثقافته وعاداته أم أنه محب للتغيير؟ أو محاولة لإلغاء عقله أمام مايسمى مواكبة الحداثة؟
من هذا التمهيد نذهب إلى الساعة الثانية عشر في تلك الليلة من الأيام القليلة الماضية الذي اِحتفل بها ببداية عام ميلادي جديد، وقبلها بأشهر ليست بالكثيرة إلى أول يوم بعام هجري جديد، وكذلك بعد أسابيع إلى اليوم الذي سيحتفل فيه بعام قمري و آخر هندوسي وتايلندي إلى آخره من الاحتفالات لبداية رأس سنة جديدة، وكأنه ذلك الشعور ببداية حياة لعمرنا وأنتهاء عام كذلك من عمرنا، أنها عجلة الأرقام التي نتسابق في حصاد نتائجها دون وعي أنها العمر الذي يُفقد.
هنا ليس مقال ليصرع مقام الاحتفال بالعام الجديد ولا بالخوض في غمار الديانات والجماعات ولكن للبحث في التعاطي الغير مفهوم من الإنسان في الأسلوب الاحتفالي مع مايناسبه وما ينتهي عنه، و للتفكر في الأسلوب المتبع لانتظار آخر لحظة من العام وكأنه المصير المحتوم وتقليد متوارث، و كذلك في النظر لتعاطي الفرد مع إدراجه للخطط والأمنيات للعام الجديد تقليدا للآخرين، فقط للتباهي وسط الحديث مع الأصحاب والتي لربما تُهمل بعد أسبوع أو تركن في درج لتتغطى بالغبار، أو قد حتى يُنسى مكانها.
ثم أن مفهوم التقاليد هو ” اعتقاد أو سلوك (شعبي عادة) ينتقل ضمن مجموعة أو مجتمع وله معنى رمزي أو ذو أهمية خاصة وأصول تعود إلى الماضي”، فيما أن هذا المفهوم يتضمن عددا من الأفكار المترابطة، ولكن يبقى المفهوم الموحد هو أن التقليد “يشير إلى المعتقدات أو الأشياء أو العادات التي كانت تُمارس أو يؤمن الناس بها في الماضي وقد نشأت فيه، وانتقلت عبر الزمن من خلال تدريسها من جيل إلى آخر، وتمارس أو يُؤمن بها في الوقت الحاضر”.
و بالرجوع لأسلوب الاحتفالات نجد أن العادات والتقاليد لكل نشاط لرأس سنة من الأديان أو الجماعات مختلف وخاص بجماعتهِ إلا أنهم يجتمعون في شيء واحد ألا وهو تمني الحظ الجيد للعام الجديد، ومنهم من يحرص على إتيان التقاليد المتوارثة بشكل صحيح كي لا يلحقه الحظ السيء طوال السنة، وهذا ما يفسر ما يقال إن “الإنسان يتبع غيره فيما يقوله أو يفعله معتقدا حقيته من غير نظر وتأمل في الدليل، كأن المتبع جعل قول الغير أو فعله قلادة في عقله” ولا يتسنى له إلا اللحاق به و أينما ولى وجهته ينساق إليها.
وقد يكون أقرب مثال لدينا تلك الأيام القريبة عند النظر للسلوك الاحتفالي فيها برأس السنة الميلادية و الذي غَدَا استخدام تقويمه في معظم دول العالم، و حيث تكمن احتفالاته بولادة المسيح (عليه السلام) في كل العالم وبكامل نشاطاتهم من تزين البيت و اجتماع العائلة حول مائدة طعام خاصة بالميلاد، وتبادل هدايا وغيرها، ولكن قد تجد من أَتْباع هذه الديانة من لا يطبقون النشاطات المتوارثة بحذافيرها، فمرة قالت لي زميلة أن في يوم الميلاد بدل أن تذهب عائلتها للاستعداد بتحضير مائدة العيد الخاصة بهذا اليوم، أخذوا أنفسهم لمطعم هندي للعشاء هناك، ماجعلها تنظر لهذا التصرف على أنه مضحك وغريب بالنسبة لها لتطرقها دهشة، فراحت تأخذ صورة تذكارية لهم و تنشرها على صفحتها في الإنستغرام وتذيلها بملاحظة مائدة مليئة بالطعم الحارق في يوم الميلاد!
و في بقعةٍ أخرى تجد مسلم حمّل نفسه واجب ليس متناسب مع معتقده، ليأتي بشجرة الميلاد ليضعها في وسط داره مع أهله ويزين منزله كله حرفيا بكل زينة الميلاد، دون حتى أن يدرك أن رمزية الشجرة في تلك الديانة يدور حولها التحفظ من قبل البعض.
فهذا التناقض الغريب في الموقفينِ يطرحان تساؤلات كالقنبلة هل هذا التغير الذي يريد أن يضيفه الفرد في حياته الفارغة، أم رغبة في كسر الروتين فقط، أم هي بهرجة مظاهر وتقليد أعمى للغير؟
في الحديث نفسه تلك النشاطات التي يراها البعض غريبة و لا غرابة على من يعتقد فيها، ماثلة في يوم رأس السنة الصينية أو مايسمى بعيد الربيع والذي يمثل الثقافة الصينية و توارث تقاليدهم حيث أنه لا تنظيف للمنزل في هذا اليوم، و لا غسل للرأس ولا شراء للكتب وغيرها من النشاطات وكلها يمثل تركها أزدهار ورخاء في العام القادم، إلى هنا ليقفز خوف بداخل الإنسان و مصيره الذي سيحدد والمرتبط بالقيام ببعض الموروثات وكأنه تصديق لما جاء في مقدمة ابن خلدون التي تختصر هذا النهج ونتائجه عندما قال ” إن الأمة المغلوبة تذوب ذوبان الجليد من الحرارة”، حيث يذكر أن المغلوب مولع دائما و أبدًا بالاقتداء في شعاره و زيه وسائر أحواله.
هذا مما يوصلنا لنتيجة واحدة ألا وهي إن الفرد المقلد يصبح كمن يلهث خلف سراب حسبه ماء، في حين أن موجة التقليد الفوضوي باتت ظاهرة تحمل مسمى الموضة تواكب الحداثة، ولكن في باطن اغلب جوانبها طمس لثوابت وزعزعة ثقة وشلل حقيقي لأمة.
ما أريد أن أوصله أنه بالنظر في سقوط الستارة في ما يسمى النهاية للعام، يُمكّننا هذا كذلك من رؤية سقوط لحضارات ومجتمعات، وعادات وتقاليد، وشخصيات لتنقلب الموازين من كتابة خطط لعامٍ جديد لتمييع هويات وفساد عقل،
فبنبرة من زمن قديم جدًا أنه بالإمكان إيقاف راديو قبل أن يتحدث بمجرد الضغط على مكبس الأقفال، وبنبرة حديثة بإمكان قفل برنامج سناب شات قبل أن يأخذ العقل ليجعل منه سلعة تباع وتشترى، و من جانب آخر أنه لا يمكن أن نوقف ورقة سقطت من الشجرة لأصفرارها، نعم إنه العمر الذي سرعان ما يهرول دون توقف، إنه الوقت الذي نصارعه كل يوم دون جدوى من إمساكه حتى ينتهي ليسقط ستارة على يوم مضى من عمرنا، حتى نكتشف في آخر لحظة من العام أننا لم ندرك مخططاتنا و أمنياتنا،
ومما لا شك فيه أن العمر واحد و الذي ربما يقضى دون وعي بين التقليد الإيجابي والسلبي و الهروله خلف تقاليد، وتخطيط دون تنفيذ، و لكن أما عن الحظ الجيد في العام الجديد فأنا هنا لن أقول كعادة من يبيعون للفرد طرق للحياة الإيجابية المفلسة، لن أقول لك انظر للجانب المشرق في ضيقتك أو حزنك فلربما لا يوجد نور هناك، فبعض المنحدرات لا يوجد بها نور، ولكن يمكنني أن أخبرك بأن تقبل واقعك، و تدرك حجم مشكلتك، لتعرف كيف تصنع الحل بيدك ليكون نور لحياتك، فنحن لا نحتاج فقط الشروق كي نشرق، فهناك زهرة زنبق الماء تزهر وتشرق في الليل.







