الخير المطلق و الشر المطلق هما منهجاً اتبعته السينما العالمية منذ أمد بعيد ..فأكثرنا تربينا على أساطير ديزني والتي لا طالما كان أبطالها من ذوي القلوب الرحيمة والتسامح الا متناهي وبالمقابل كان الأشرار من أصحاب القلوب القاسية و لديهم من الشر ما يفوق الوصف و هو غالباً شراُُ لا سبب له ولا منطق .
وهكذا هو الحال أيضاٌ في السينما الأمريكية التي صورت أبطالها بالصورة المثالية .
و اليوم يطل علينا فيلم الجوكر الحاصل على جائزة (( الأسد الذهبي )) والذي حقق إيرادات قد تكون الأعلى في تاريخ السينما الأمريكية ، و هو من إخراج (تود فيليس) و بطولة (خواكين فينيكس) بجانب ( روبرت دينيرو) .
ويبدأ الفيلم بمشهد بين البطل (أرثر فيليك) وطبيبته النفسية حيث يسترسل أرثر بالضحك الهستيري دون توقف ، ضحكة وجدتها حينها مبالغ بها و مستفزة ، إلى أن اتضح لي أنه مصاب بمتلازمة الضحك ، وهي حالة عدم الثبات العاطفي والتي يفقد فيها المريض السيطرة على أعصابه و انفعالاته ، فيضحك لا إرادياٌ في مواقف لا تعكس حالته النفسية الحقيقية.
وبعد تسلسل الأحداث نعلم أن هذه الحالة أصابت أرثر بعد تعرضه لإصابات في الدماغ ( Traumatic Brain injury)
وذلك إثر علاقات أمه السابقة في طفولته بأشخاص عذبوه جسدياٌ و نفسياً.
فأرثر الذي يعمل كمهرج و يطمح أن يكون كوميدياٌ عاش طفولة تعيسة و مؤلمة جداٌ .
و يبدو أن المخرج تود فيليس تعمد أن يجعل المشاهد يرى جميع الأحداث من زاوية واحدة هي زاوية البطل .
وهو بذلك جعلنا نرى شخصية مختلفة كثيراٌ عن شخصية الجوكر المعروفة في كتب الكوميكس ( الأبطال الخارقين ) بالشر المطلق الذي تحدثت عنه سابقاٌ.
فنرى في هذا الفيلم كيف تحول أرثر إلى الجوكر وهو تحول مدهش و واقعي ، مر به في مدينة (جوثام) التي تعكس الواقع الأمريكي الطبقي و القاسي والذي يلعب دوراٌ مهماٌ في حالة الجنون التي تصيبه ، كما يلعب المجتمع المتجاهل و المهمل دوراٌ مهماٌ في الحالة النفسية و الدرامية التي ساعدت على تكوين شخصية الجوكر.
ولا نستطيع أن نتحدث ع فيلم الجوكر دون الخوض في الجانب البصري و الذي أدهشنا بتصويره لأدق التفاصيل بدءاٌ بمدينة نيويورك الذي أستطاع طاقم العمل أن يحولها بكل إتقان إلى المدينة الشهيرة (جوثام) ، و مروراٌ بحالة الفقر التي يعيشها سكان المدينة ثم وصولاٌ إلى الجسد الهزيل ل( خواكين ) والذي أنقص قرابة ال٢٥ كيلو غرام من وزنه ليتلائم مع حالة الفقر والجوع و العوز التي عاشتها الشخصية .
كما يجب أن نثني هنا على الاهتمام بالموسيقى التصويرية فهي تحفة فنية مليئة بالأسى والألم والتي وظفت بطريقة خدمت الأحداث وجذبت المشاهد وأكسبت تعاطفه.
ويشد المشاهد أيضاٌ الأبداع اللغوي للنص ، حيث أن لكل كلمة يقولها البطل دلالات خفية ، قد يحتاج المشاهد إلى رؤية الفيلم أكثر من مرة وفي كل مرة سيكتشف بعداٌ جديداٌ .
كما أن توظيف الضحكة التي إستفزتني أول الفيلم كان مبدعاٌ ، حيث تظهر الضحكة المشهورة للشخصية عندما تتعرض للقهر والظلم فيضحك حينها أرثر أو الجوكر وعيناها مليئتان بالدموع.
ولعل الكثير من من شاهد الفيلم شعر بالتعاطف مع الشخصية التي لا طالما كانت العدو الكاره لباتمان ، فانقسم الناس بين معجب بتكوين الشخصية و ردود أفعالها وبين رافض لأن يتعاطف مع شخص شرير ومريض.
وفي مجمل القول (الجوكر) قصة إنسانية او لعله تحليل نفسي ، مليء بالمشاعر و الأحداث التصاعدية ،وهو نتاج عن مجتمع قاسي يفرق بين الغني و الفقير دون رحمة .
هو إبداع فني بكل المقاييس ، إبداع أخرجنا عن الإطار المألوف عن فكرة الأخيار و الأشرار و سلط الضوء على دور المجتمع في خلق الوحوش والمجرمين.
وبالرغم من كل الآراء المختلفة عن الجوكر فقد أجمع الجميع على روعة أداء (خواكين ) برقصته المميزة وضحكته المؤثرة ، ذلك الأداء الذي سيخلد اسمه في سماء السينما العالمية .





