بقلم/ فاطمة علي كحيل
استلمت ملفي ، ولملمت ذكرياتي، مودعة عالمي الوردي ، إلى عالم آخر لا أدري كنهه، ولاأعرف وسمه ولا رسمه .
كنت أحمل بين دفتي ذلك الملف شهادة تخرج ؛ أحسب أنها فاخرة ، ولما لا ..فهي تحمل درجات عالية ، والتي تبشر بإذن الله بمستقبل مشرق، وطموح واعد لصاحبها .
لكن للأسف… كان النظام في ذلك العام لاينقل المتخرج من مرحلة إلى مرحلة نقلاً آلياً ..بل على الطالب وذويه أن يشمروا عن سواعدهم ، ويسابقوا الزمن ، بحثا عن أي مدرسة تحفل بهذا المتخرج ، وتقبله، ولو كانت أبعد مايكون عن نطاقه الجغرافي .
ومع ذلك فقد كنت أظن أن كل المدارس ستشرع أبوابها للترحيب بي، فضلاً عن قبولي بين صفوف طالباتها ، فدرجاتي العالية، وشهادات التفوق والتقدير التي أحملها ستشفع لي ..ولكن لاخبر .
ظللت أبحث وأبحث، حتى تسرب في نفسي الخوف والفزع ، أن لا أجد مقعد دراسي لي ذلك العام .
وأثناء رحلة البحث هذه، ترائى لي في تلك الجهة اليسري من ذلك الشارع الطويل، الذي قد يضيق أحيانا ويتسع حسب مرتاديه ، لوحة مكتوبٌ عليها ” الثانوية الثامنة بجدة ” . للوهلة الأولى شعرت بإنتماء لها حتى قبل أن أدخلها ، ربما لأنها الثامنة وهو الرقم ذاته الذي أحمله في ترتيب العائلة .
توجهت من بواباتها الرئيسية عبر ذلك الممر الطويل ..نعم لازلت أذكره .. حتى اقتربت من تلك الغرفة التي تتزاحم فيها الأمهات لتسجيل بناتهن ؛ وبالكاد تم قبولي ، فقد أوشكن على الاكتفاء.
عندها لا تسألني عن مدى فرحي ، وانفراج أساريري .
أخيراً …سأصبح فتاة في الثانوية وسأرتدي ذلك “المريول الأصفر” – وكان ذلك اللون المعتمد في تلك الفترة لهذه المرحلة- .
أخيراً .. سألج إلى عتبات عالم الكبار كما يطلق عليه ؛ وذلك ما كان حقا.
كانت تلك المدرسة النموذجية؛ نقلة نوعية في مسيرة حياتي كلها..نعم أقولها حقيقة دون أدنى مجاملة .
فقد نقلتني من طالبة مجتهدة تهتم بالتحصيل الدراسي فقط ، إلى أعمق ذلك وأكثر ..فقد جعلتني أسعى بأن أكون شيئا مذكورا في هذه الحياة ، بل وصاحبة هدف وأثر .
و لعلي أخص في هذا المقال كادرها التعليمي الرائع ، اللاتي يطول الحديث عنهن ولا يقصر ،ويطرب الفؤاء بذكرهن ولايمل . تلك الأحضان الدافئة التي احتوتني وغيري من الطالبات بكل مافينا ،بعثراتنا ، وندباتنا ، وقلة تجاربنا ومعرفتنا. فقد كانوا يرممون أرواحنا اليافعة ، ويطفئون لهيب مشاعرنا المبعثرة، ويرشدون أرواحنا التائهة ، نعم ..لقد كانوا ، وكانوا ، وكانوا ..و لن يكفي مقالي هذا؛ لذكر مناقبهم، والتغني بشمائلهم .
وكماهو حال كثير منا في نسيان بعض أسماء من مر عليه في مسيرته التعليمية ؛ بل والتعثر في تذكر بعض ملامحهن ، فتقادم العهد ، وقلة الوصل ، وطبيعة الحياة تنسينا و تلهينا في كثير من الأحيان عن من نحب . لكن عبقهم مازلت أشعر به، وأتلمس آثاره ، ولو مرت عليه السنون والأعوام ، وقد مرت. فبعد مرور أكثر من ١٥ سنة ، مازلت أتذكر أربعة منهن، انقطعت الصلات بهن ، ولكن فضلهن يحدوني للإشادة به. ولعلي في هذا المقام أوجه لهن رسائل قصيرة ، أحمل فيها من الحب والعرفان والوفاء الشيء الكثير وإن لم يقرئنها ..فيكفيني أني مازلت أذكرهن .
معلمتي نجلاء حوباني : ربما كان نشرك لمقالي الأول الذي كتبته في ذلك السن الصغير الغض ، دافعاً قوياً لي في الإستمرار في الكتابة ، وها أنا اليوم مازلت أكتب وأنتشي بأي نشر لي.. وأذكرك .
معلمتي.. زكية الانصاري : ابتسامتك وسمتك الصالح ، مجالس الذكر التي حففتنا به ، وحلقات ذلك المصلى الندي الطاهر مازالت عالقة في ذاكراتي ، ومازلت أتعاهد القرآن ..وأذكرك .
معلمتي ..حميدة الصبحي : كنت حقاً ألطف من الورد ، بل أبهى من عرفت ، غمرتني وغيري باهتمامك ، وبعطفك واحسانك، و اصدقك القول كل ما لاح لي طيف تلك الأيام الخالية، أترنم باسمك … وأذكرك.
معلمتي.. زمزم عطيف : أما أنت..فعندك يرتجف القلم ، ويخجل الحرف ، ويتوارى الدمع ، وتتقاصر الجمل ، فقد كنت لنا قلبا وعقلاً ..بل وكثيرا ماكنت كتفاً ، ولعل حب العربية ارتويته منك… وأذكرك .
أيها المعلمون ..سيُذكَرُ فضلكم ولو بعد حين ..فكونوا تلك الذكرى الطيبة، والخالدة في نفوس طلابكم .







