مذكرات طبيبة

للكلمة التي افتقدتُ الأحساس بها لما نلتها
لحرف الدال الذي يسبق أسمي
ولتمجيد الناس لحضوري.

ما كنت يوماً لأصدق طبيباً لو أنه قال بأنه لا يشعر بهيبة لقب وظيفته كما يشعر بها عامة الناس، لأنه فقد شغفه بها فيما هو في الطريق إليها، ولأنه حفز عصب أمنيته ليشجعه على إكمال المسير حتى ما عاد في العصب من إشارات تشعر بفرحة الوصول.
لكن ذلك كان قد حدث حينما وجدتني مغمورة بهذا النداء الوظيفي دون مثقال ذرة من الشعور به. لا يتردد في رأسي من وراء هذا اللقب سوى صوت الطبيبة المسؤولة عني في التدريب وهي تخبرني بأنه في الطب لا ينبغي علي الإعتماد على فحص وتشخيص طبيب آخر أو قول المريض، وأنه ينبغي علي إنجاز فحوصاتي الخاصة بدقة. وتكرر وهي تنظر إلى ما بداخل عيناي: الطب مسؤولية.. مسؤولية الطب.. ما فعلتيه اليوم خطأ فادح ..
إنه لا ينتاب الطبيب شيئ من وراء هذا المسمى سوى دسامة مسؤوليته ومرارة رحلته إليه. إنني في كل مرة تشير إلي والدتي بأنني ابنتها الطبيبة تفاخراً، تطفأني من الداخل تلك الليالي المظلمة التي أوشكت فيها على خسارة نفسي وصحتي لأداء امتحان نهائي، تطفأني تلك الأيام التي قضيت ساعاتها بأكملها أمام كتب الطب الضخمة، الكتب التي ابتلعتني، الكتب تلك ذريعتي التي أتذرع بها حقاً كلما عوتبت من قطيعتي لأقاربي ولأصدقائي، الكتب التي ما كتبت لتنتهي أبدا. إنها كتب مصممة بلا نهاية لأن كل نهاية بها لا تأخذك أبعد من عتبات كتاب آخر وكل معلومة تلم بها لا تلبث أن تنتسى وسط ذلك الكم الهائل من المعلومات بلغتها اللاتينية المعقدة. ( إنها مثل كيس أرز بعدم قابليتها للعد أو للإلمام بها ) سمعت نفسي أقول واصفةً مادة أمراض الفم في إحدى المرات.

الساعة الثالثة على جلوسي أمام الكتب، والسنة الرابعة منذ أن قررت خوض قدري مع الطب.
ليس الحال بتلك العادية التي يسهل معها تجاهله وعدم الكتابة عنه أو حتى في محاولة توصيل فكرة بسيطة عما أمر به.
أن تكون طالب لأي مجال يعني أن مستواك الذهني يتطور بمرور السنوات ليتناسب مع المنهج المقرر عليك. لكنه ليس الأمر في الطب. القدرات الذهنية تتطور والمنهج بنفس مستوى الصعوبة واليوم هو اليوم بساعاته المعروفة بمقابل أن تتضاعف كمية المعلومات كل سنة بمقدار السنة التي وصلت إليها. أي أن طالب السنة الثانية لديه ضعفين( عليه الالمام بمعلومات سنتين). وطالب السنة الثالثة عليه أن يلم بمقرر ثلاث سنوات وهكذا..

قال لي قبل أن أدخل هذا المجال، بأنني سأقضي يوم إجازتي بالكامل في استذكار دروسي. كان تفكيري قد ذهب وقت ذاك إلى: (ومتى سيكون وقت المتعة والراحة إذا قضيت يوم الإجازة في الدراسة أيضاً! )
وانتهى بي الآن إلى: (لو أنني أحصل على مزيداً من أيام الإجازات أو بإمكاني مضاعفة ساعات يوم الجمعة لأستطيع استذكار كمية أكبر من المعلومات.. )
وأخبرني في سنتي الأولى، بأن طريق العودة والذهاب من وإلى الجامعة سيكون وقتاً رسميا للمذاكرة أيضاً، لم يكن بإمكاني تصور نفسي أذاكر حتى في الطريق في فترات غير الامتحانات ولكن ذلك كان قد حدث بالفعل.
ولذلك أستطيع الآن تفهم الأقارب والأصدقاء بعدم استيعابهم لقدر إنشغالي واستنكارهم الدائم وعتابهم لغيابي واعتذاري عن كل دعوة حضور. ولم يعد يصدمني هذا الاستنكار أو استفساراتهم عن وقت فراغي أو وقت انتهائي من المذاكرة. بل تصدمني عدم مقدرتي بمصارحة نفسي بأنني لن أنتهي من ذلك أبداً.
لأنه في كل وقت علي تذكر دواء الضغط ونسبة الأكسجين الطبيعية وسبب الألم الفلاني وعدد ثواني جفاف الحشوة في السن وطريقة التعامل مع مريض القلب ونوبات الصرع ومعرفة الهرمون المعين والغدة التي تفرزه ووظيفته و… لأن النسيان والجهل غير مسموح بهما أبدا لطالما إرتديت هذا المئزر الأبيض. ولا يعني الناس إن كنت طبيبة أسنان أو طبيبة عامة، إنهم يعرفون بأنني طبيبة وفقط وعلي قراءة ورقة الهرمونات الجنسية وتشخيص تكيس المبايض والإ سقطوا باللوم علي وعلى جميع الكليات والكادر الطبي. ليس الأمر في ردة فعلهم وإنما ردة فعلي أمام نفسي إذا جهلت معلومة وقلت مسؤوليتي تجاه هذا المئزر الأبيض.
النسيان ليس مسموحا أبدا لأنه في ثانية من الثواني سيفقد مريضي وعيه على كرسي الأسنان ويفقد حياته إن لم أتذكر الدواء والتصرف المناسبين في مثل هذه الحالات.
كانت الحيرة العادية أنستذكر ما نسيناه أم نبدأ بالجديد!
وتغيرت حيرتنا وكبرت معنا وتعقدت أكثر فصارت أأذهب للبحث عن مرضى لأتدرب عليهم وأضمن النجاح في هذا الفصل الدراسي أم أكمل دراسة هذا الموضوع!

الساعة الثالثة لجلوسي أمام الكتب، والسنة الرابعة منذ أن وافقت على خوض قدري ومغامرتي الخاصة مع الطب. كنت أعتقد بأنه لتكون لقصصنا قيمة تستحق أن تروى فإنها تحتاج لمزيداً من الصعوبات التي نظن عند كل واحدة منها بإنها النهاية. وأن الحياة أحياناً تلغم الدرب بالمصاعب لتجعل النهاية أجمل. ويحدث ذلك أيضاً لأستطيع أن أكتب بجدارة بأن مغامرتي فيه كانت خاصة ولعله عزائي في هذا.
قطعاً لم يكن مشواري في الطب سلساً كنت فيه مثل ألعاب الفيديو المتحركة بعد كل بضع مسافة تحاول الأشياء إلتقامي، التربص بي، والإيقاع ولم أكن بالتفاؤل الكافي لأدرك بأنني سأصل رغم كل ذلك. على العكس كانت تسقط بي مشاعري قبل الصعوبات إلى سابع هاوية.
أنا التي تجنبت تجربة تلك الألعاب طوال سنين طفولتي خوفا من انقضاء الوقت أو انقضاء السبع علي ليلتهمني، كيف بها الحياة تختارني لتجربتها واقعاً. أنا التي تجنبت التوتر والتحديات والتنافس بكل أشكاله متى أخذتني الحياة من كل ذلك السلام إلى دولاب الطب والغربة في آن واحد! الدولاب الذي يدور بسرعة جنونية، الدولاب الذي لا يدع لك فرصة الاختيار بعد ركوبه.

صعدوا للنجاح بسلالم كهربائية فيما كنت أحبو له حبواً.

عن صحيفة