يحكي ايسوب قصّة ثعلب وقع ذيله في شرك، وبينما كان يجاهد محاولا تخليص نفسه انقطع ذيله فجأة، في البداية أحسّ بالخجل عندما تخيّل نفسه بين رفاقه وهو على تلك الهيئة المزرية، لكنه استدعى الثعالب إلى اجتماع عام، وعندما اجتمعوا اقترح عليهم أن يتخلّصوا جميعا من ذيولهم، معدّدا المخاطر الكثيرة التي يمكن أن يجلبها وجود الذيول في أجسامهم، وركّز في كلامه على أن الذيل لا يشعر صاحبه بالراحة خاصّةً عندما يتعقّبه عدوّ عنيد، وهنا أبدى الجميع موافقتهم له وقطعوا ذيولهم، وبالرغم من ما عانوه من ألم وندم على مافعلوا إلا أنهم استمروا في اسداء النصائح لبقية الثعالب حتى شاع بينهم قطع الذيل فلا يولد لهم مولود إلا قطعوا ذيله، وأصبح الثعلب الذي يحتفظ بذيله مصدر للسخرية والخزي والعار.
تلك الحكاية تُذكرني كثيرًا بحال بعض الأُدباء، الذين خلطوا الأدب بالإيحاءات الجنسية الصريحة أو المُبطنة في إنتاجهم الأدبي وحولوه من لون ثقافي راقي إلى سباق لاهث نحو الانحدار الأخلاقي، فأصبح الأديب العتيد فيهم هو من يُضمن إنتاجه الأدبي بأكثر الجمل فُحشًا وفجورًا، وأصبح الأديب “العفيف أدبيًا” محط سخرية واستهتار وتهميش.
مع الأسف أننا نُشاهد في الطبقة الأدبية في مُجتمعاتنا العربية نماذج يخجل منها الإنسان البسيط العادي، لأنها طبقة أنشأت لنفسها عدة مبادئ “متخلفة أخلاقيًا” واعتبرتها من صُلب الأدب والثقافة والرقي، وكُل من شذ عن (قطع ذيله ) إتباعًا لهذه المبادئ فهو متخلف ولا يُطلقون عليه أديب، بل ويشنون عليه حربًا سافرة حتى يُجنّ أو يستكنّ في منزله بعيدًا عن الأدب الذي صاغوه حسب أهواءهم، فإن لم تُقارع الخمر فأنت منبوذ، وإن لم تحضر الحفلات الماجنة فأنت منبوذ، وإن لم تكن سافرًا في إنتاجك الأدبي فأنت منبوذ، وإن لم تُغازل الأديبات فأنت منبوذ، إنها حقًا مبادئ يخجل منها العامة فما بالك بأن يكون هذا النموذج المُنحط أخلاقيًا ودينيًا هم من يُطلق عليهم “أُدباء”..!!
إن الأُدباء من جيل اليوم الذين يأملون كثيرًا الإنضمام للطبقة المثقفة العربية، ينخدعون كثيرًا بقضية ” الأذيال المُقطعة” فيعمدون إلى تقليدهم لئلا يكونوا مصدرًا للخزي، ففي تلك الطبقة يتم وبكل الوسائل المعلنة والخفية إقامة وبناء ثقافة متخلفة هابطة ابتذالية مليونية تستقطب غالبية طالبي الشهرة، ويقف على هرم تلك الطبقة اشخاص جهلة يُديرون كُل شيء وفقًا لشهواتهم، فمادمت ثعلبًا بذيل لن تنال شرف الفوز في مسابقات أدبية، ولن تنال جوائز هي في الأساس توزع بمزاجية، ولن تكون عضوًا في مؤتمرات أو برامج أدبية فأنت بينهم كآل لوط الذين أُخرجوا من قريتهم لأنهم “يتطهرون”.







