بقلم ـ صالح المسعودي
بالتأكيد يا عزيزي القارئ المحترم أن دموع الرجال عزيزة جدا ، وقد لا تتساقط عبرات الرجل حتى ولو تقطعت أجزاء من جسمه ، ولكن وفي حالة هي أقل بكثير من ضرب السيوف أو استئصال جزء من الجسم تساقطت عبراتي وأنا استمع لحديث الذكريات الذي جمعني بوالدي ذاك ( الشيخ الكبير ) ، فقد حلقت به وبي ذاكرته في ذاك الزمن الجميل الذي ما أن نذكره حتى نترحم على ( زمان ) وأيام زمان .
تطرق حديث والدي للأحباب وكيف كانت النفوس الصافية والقلوب الطيبة ، فآثرت أن أقتحم تأملاته في الماضي البعيد بسؤال عاجل: ما الفرق بين الحب الآن وفي زمنك الجميل الذي تمتدحه يا والدي ؟ فيقول بعد تنهيدة مطولة كأنها تستدعي أحداث من الزمن الغابر: ( فارق كبير يا ولدي بين الحب الذي كان والآن ) ، فالحب في هذه الأيام مشوه ، وإذا نطقت بهذه الكلمة سوف يتبادر لجميع من يسمعك أنك تقصد الحب العاطفي الذي يربط بين الرجل والمرأة ؛ لأنهم وللأسف لم يشاهدوا غيره ولم يجربوا سواه ، وحتى ما تدّعون أنه حب بطريقتكم الحديثة هو حب ( مسلوق ) لا طعم له .
أما ما قصدته يا ولدي هو ( الود ) أو الحب فهو شكل مختلف بكل المقاييس عن الحب في زمانكم ، ففي أيامنا كانت المودة والمحبة الخالصة لوجه الله ، كما يقول رسولنا الكريم ﷺ: ( ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه ) ، فقد كانت المحبة أشمل وأعم من مفهوم الحب الحالي ، ولا أقصد تشويه أيامكم يا ولدي فالخير موجود بشكل أو بآخر ،
ولكن دخلتم في صراع مع الدنيا فألهتكم عن أهم الأشياء التي تريح النفس ألا وهي ( راحة البال ) و( راحة البال ) يا ولدي لا تتأتى إلا بصفاء السريرة التي قل وجودها بسبب تسارع وتيرة الحياة ، ومن أهم أسباب ( راحة البال ) الرفقة الطيبة أو ( الأحباب ) الذين يعينونك على الدهر إذا تقلب ، فتجد من يخفف عن عاتقك ويحمل عنك ولو بعض ما على قلبك وعقلك من خلال الوقوف بجانبك ولو بالمشورة الصادقة التي قل وجودها الآن .
كان والدي يتحدث وأنا أحلق بفكري في تصور حالنا الآن وقد ألهتنا الدنيا ، فقد شغلتنا حتى عن أقرب الناس إلينا ، وبدأت أسأل نفسي: لماذا تعتب على الغير وعلى هذا الزمان ؟ فمنذ متى لم تزر صديقاً ربطت بينكما المودة ؟ ومنذ متى لم تصل رحماً دعاك ربك وأوصاك نبيك بصلته ؟ وهل ستجلس كثيراً تندب حظك العاثر وتلصق بغيرك التهم وتسوق الأسباب التي أدت لتردي حياتنا وأنت أول من شارك بإهمالك لنفسك وأحبابك وأرحامك ؟
ووجدت نفسي في صراع داخلي يقول لي ( ابدأ بنفسك ) نعم ابدأ بنفسك ولا يضيرك اعوجاج غيرك إن ضل ، بل اشكر ربك كثيراً أن هيأ لك من يوجهك إلى الطريق الأقرب ( لراحة البال ) التي ينشدها الجميع ولكن الغالبية العظمى ضل الطريق عنها ، ولكني فوجئت بقطرات دافئة تتدفق من عيني وكأنها تغسل قلبي قبل أن تطغى عليه ملهيات الحياة ،
ووجدتني أحادث نفسي بصوت مرتفع ( نعم سوف أبدأ بنفسي ) ، وسوف أدعو غيري لفتح صفحة جديدة مع الحياة ، صفحة أسطر فيها كل ما يدعو إلى ( راحة البال ) وصفاء السريرة ، وأول تلك الأمور هي ( المودة لله ) وصلة الأرحام والتقرب إلى الله بصنع الخير ، ففيما سبق إعادة لترابط المجتمع ونشر الحب الحقيقي بين الناس ، فهل تجد دعوتي لنفسي ولكم الصدى المناسب لنبدأ من جديد ؟
مارس 18, 2018 2:04 م














