بقلم - ليلى سالم
مازالت تلك الطفلة تبحث عن أمها ، مازالت بقايا تلك الحلوى في يديها ، ما زالت تنتظر تبديل ملابسها ، ومازالت تريد أحد يسرح شعرها!
حَدقتُ بعيداً إلى حيث المجهول ،قبل عشرين سنه من الآن، صحراء كبيرة ، رمال متناثرة ، هناك تقف شجرة خضراء بكل شموخ ،وكأنها تريد أن توثق ذلك الحدث في مخيلتي، يوجد نساءٌ كثر ، أكاد أسمع هنا نحيب ! وفي الجهة الأخرى فتاة سمراء تلطم خدها! ومازال البكاء هو المسيطر عَلى ذلك اليوم الكئيب ،،
كنتُ أرتجف خائفة أنتظر حضن أمي، ويحك يا أمي أين أنتِ لقد تأخرتي ! الخوف بدأ يزداد ، وبقايا الحلوى أصبحت كغصة بداخلي ، أصبحت أجري بين النساء ، مابال الكل ينظر إليّ ! هل لأن شعري غير مسرح؟ ماذا أفعل ؟ أمي وعدتني ولكنها لم تأتي !
هناك في أقصى المكان امرأة يُقال أنها خالتي مسكتني بيدي وهي تمسح دموعها، كل شيء مر سريعاً، ومازلت أحدق تائهة ، وعيوني تترقب مجيئ ذلك الحضن الدافئ ،
وبعد أيام بدأت أسرح شعري بنفسي وبدأت أبدل ملابسي بنفسي هنا أدركتُ أن أمي رحلتْ وأدركتُ أنها ذهبتْ إلى مكان بعيد ولن تعود،
هل يجدي البكاء؟ هل يجدي النحيب ؟ لقد تجرعت الفقد مراراً ،، وارتديت الحزن لباساً ،، هأنا أصبحت جسداً بلا روح ،، هأنا تائهه وأمواج الحياة تلطم بي ،،
أمي كنت أمسك قلمي منذ صغري وارسم به خربشات لا أحد يفهمها كنت أودّ أن اكتب اسمك في وسط قلوب حمراء مثلما يفعلن صديقاتي كنت أحلم أن أكتب جمل وعبارات عن حب الأم ،
لكن ! صدقيني يا أمي لا أستطيع ! لا أستطيع ! إذا تذكرتك اختنق ، إذا خطرتي عَلى بالي اغطي رأسي بذلك الشال الأبيض ، واتظاهر بالنوم ،حينها كنت أرسل دموعي لعالم آخر ،ولموطن آخر ،حينها كنت أسرح بخيالي لتلك الشجرة واحضنها بقوة لأنني أدركت أن قبرك يقبع تحتها !
هنيئاً لك أيتها الشجرة في تلك البلاد البعيدة برفات أمي ،، هنيئاً لك بذلك الجسد الطاهر ،، سأخبركم حين فقدتُ أمي كانت قد وعدتني أنها ستنجب أختاً تشبهني ، ستنجب أختاً تلعب معي ، ستنجب أختاً تكون لي عونا عَلى الحياة ،،
أهـٍ يا أمي لقد ذهبتِ وأخذت أختي التي كانت في أحشائك ، لا أعلم من الذي أخذ الآخر ؟ المهم أنكم رحلتم وتركتموني في دنيا لا أعرفها، وفِي موطن لا أعرفه ، وفِي وجوه تتنكر لي بين الحين والآخر ،
أمي لا أريد أختاً، لا أريد أحداً، أريد أن أحضن تلك الشجرة فقط ، واضع بجانبها باقة من التوليب الأبيض ،
أمي أقسم لك بأنني سأغدو شيئاً في هذا العالم أمي أنتِ وهبتيني الحياة ولَم أولدُ عبثاً ،، سأعانق النجوم يوماً وسأبحر في هذه الدنيا ،، وسأواجه العالم حتى أحقق ما أريد .






