كما عرفتها.. شاحبة اللون، باكية الطرف، شاردة الفكر، حتى خبا نور وجهها وعلاه الهم والحزن.
بل كما عهدتها تشكو دائمًا من تغير الأحوال، ونكوص الأحباب، وجهالة الأخوان، وذهاب الخلان .
أعلم ماذا ستقول؛ فلانة تغيرت علي، فلانة تتجاهلني، وفلانة تصد عني، فلانة وفلانة…
إنها صديقتي ياسادة، وهذه دندنتها التي تشنف بها أذني كلما التقينا.
حدثتها كما أحدثكم الآن؛ ثم ماذا ياصديقة؟ ماهي النتيجة؟ على ماذا ستحصلين؟
إنه المزيد من التعب والألم والحسرة والندم.
ولماذا كل ذلك الهم؟
لماذا لا زلتِ تقفين على أبوابهم وأنتِ على يقين أنها لن تفتح لك؟!
بل لماذا لا زلت تنتظرين شفقةَ عزيز لا يَرى، أو إحسان حبيب لا يحس؟!
حدثتها عن فن التجاوز فهو من أجمل فنون الحياة التي يتحتم علينا تعلمه، ومن ثم ممارسته بل وإشاعته بين الناس .
إنه فن تجاوز المواقف والمشاعر والأشخاص، بل وتجاوز الزمان والمكان.
إنه التغافل والتعالي، والعدول والتسامي، عن كل ما من شأنه أن يعكر جمال الحياة، ويشتت أفراح الروح، ويزهق تباشير التفاؤل والأمل.
إنه التجاوز عن كل ما يرهق عقلك، ويبهت مشاعرك، ويبدد طاقتك، ويطفئ بريق الحب في قلبك.
إنه دعوة صادقة ألا نحفل بما لا يستحق، وألا نضخم ما لا يستحق، ولا نلتفت لمن لا يستحق.
كم أرهقنا أرواحنا باللهث وراء مشاعر لم يكتب لها عند من نريد القبول، وكم أتعبنا أنفسنا بطرق أبواب لم يكتب لها الشروع، وكم هرولنا وراء أحلام لم يكتب لملامحها الشروق.
لذلك تجاوز .. تجاوز ذلك الشخص الذي أحببته لكنه أدار لك قلبه.
تجاوز ذلك الصديق الذي أخلصت له ولكن الغدر كان من شيمه.
تجاوز كل من تمد يديك إليه للبقاء لكنه لا يأبه بك.
بل حتى تجاوز ذلك الناقد الذي لا يفتأ إلا أن يرى كل لملم فيك.
إن استطعت أن تودع كل مايبعثرك، و تسكب ماء الفراق على كل قصائد الحب التي جدت بها على من تَبَدَلْ، وأن تلملم بقايا روحك ولو لوحدك فافعل.
لا أخفيك.. ففي رحلة التجاوز ستمر عليك أيام موحشة وليالٍ مكفهرة تشعر وكأنك تنتشل روحك من بين كل ذكريات الأفعال والكلمات الجارحة، ومن لحظات الهمزات واللمزات القاتلة، بل ومن سكتات الخذلان ومن نظرات الإهمال، ربما ستكون لوحدك، وستكفكف دموعك لوحدك، وستربت على كتفك لوحدك.
ولكن لا عليك.. كل ذلك سينقضي بكل ما فيه من جراح وآلام ومشاعر وأحزان، وستخرج منها محررًا معافًا مشرقًا متفائلاً، ستعلم بل ستوقن أنك تستطيع أن تتجاوز كل شيء، كل الأفكار والمشاعر والذكريات المؤلمة، ولن تدع لها مساحة في عقلك وقلبك، ستتعلم أيضًا ألا تلتفت إلى الوراء وألا تلتفت لأحد.
ستعلم أن كل مر سيمر، وكل كسر سيجبر، وأن الحياة أقصر من أن نضيعها في تأمل جرح مضى، والوقوف على أطلال حزن عبر.
وابدأ سطرًا جديدًا، وإن شئت فاقلب الصفحة، وابحث عن المحبين من حولك، الصادقين في وصلك، ابحث عن الآمال الكبيرة التي تنتظرك، وعن الأحلام العريضة التي تتشوق للقائك.
وقل لكل فائت: (عسى ربنا أن يبدلنا خيرًا منها).
دمتم متجاوزين عما لا يستحق وعمن لا يستحق.


اصفق لهذا اليراع المبدع.. كلمات ممزوجة بتجِارب صقلتها الخبرة م عن الأيام.. لك كل الود
ما شاء الله مقال جميل جدا