عين الوطن : يوسف الجهني
جهل المرء بوجود الشيء لا يعني عدم وجوده، إنه موجودٌ لكنه خارج ذهن ذلك المرء.
كم ظلمت الأمة العربية قديمًا حينما نفوا عنها صفة الكتابة مطلقًا، وكم ظلموها في العصر الراهن حينما نفوا عنها صفة القراءة ( أمة لا تقرأ )
وكم دندنوا على هذين الوترين البغيضين طويلًا، إما بدافع الكراهية من قبل أعدائها، وإما بسذاجة من يردد تلك المقولات بلا عقل ناقد فاحص.
وللعقل الواعي أن يناقش هذين الحكمين القديم والحديث.
أما قديمًا فقد نفوا عن العرب صفة الكتابة مستندين في هذا على واقع أدركه التاريخ المدون، وذلك أن العرب كان عمادها في نقل الأخبار والأشعار والخبرات على الرواية الشفهية، لكن المستقصي للواقع العربي آنذاك عزل نفسه عن دلالات اللغة وألفاظها وكان عليه أن يتساءل عن سبب وجود ألفاظ كثيرة تدل على الكتابة مثل : الكتاب، والرقيم، والصحيفة، والقرطاس والزبور وغيرها. فليس من طبيعة اللغات أن تبتكر ألفاظًا ليس لها ما يقابلها في واقع المتحدثين بها، فاللفظ رمزٌ يرمز لشيء محسوس في الواقع.
فإن كانت الكتابة عدمًا فلماذا يستعمل العرب كل هذا الكم من الألفاظ الدالة على الكتابة والكتاب؟!!!
إذًا فالكتابة موجودة في الذهن العربي القديم والإرث الثقافي لهذه الأمة، بدلالة وجود ألفاظ الكتابة في لغتها.
لكن قد تكون تلك الفترة التي اشتهر فيها العرب بالرواية الشفهية دون الكتابة فترة استثنائية اندثرت فيها الكتابة حينًا من الزمن لتعود الكتابة من جديد في القرون الإسلامية الأولى. وأما الحديث النبوي ( إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب ) فله تعليلات أخرى غير المعنى الحرفي له، وحتى المعنى الحرفي قد يقصد به تلك الفترة (الاستثناء)
وعلى علماء التاريخ والآثار وذوي الاختصاص أن يبذلوا المزيد من الجهد لاستقراء تلك الحقبات المجهولة من تاريخ هذه الأمة وذلك من خلال استقراء ما خلفه العرب من آثار تتناثر في بلادهم، تلك الآثار التي لم تلق من ذوي الاختصاص ما تستحقه من بحث واستقصاء
هذا ما يخص الحكم القديم على هذه الأمة وأما الظلم المعاصر لها فنعتها بأنها أمة لا تقرأ مع أن الواقع المشاهد يشير إلى غير ذلك فالعربي المعاصر تتزاحم في رأسه الاهتمامات وتجده على الأغلب صاحب فتيا في كل مجال، والسبب في ذلك أنه اطلع على مجالات متعددة وفنون شتى ولو بشكل سطحي؛ فأوحى له ذهنه أنه قادرٌ على إعطاء رأي في هذا الفن أو ذاك، وليس الحديث هنا عن صواب هذا السلوك من خطأه، ولكن الأمر هنا مناقشة سلوك جمعي لأفراد أمة تتهم بأنها لا تقرأ، ولو أنها كانت كذلك لما تسرب إلى أذهان أبنائها بأنهم قادرون على إعطاء رأي في كل مجال تناله اهتماماتهم المتعددة، فهي أمة ذات حظ من القراءة، وحظها لا بأس به. لكن القراءة في هذا العصر مختلفة عن العصور السابقة فأوعية القراءة في العصور السابقة كانت محصورة بين دفتي كتاب، أما العصر الراهن فقد تعددت الأوعية وصارت قنوات القراءة أوسع من أن تضمها رفوف المكتبة، فالسينما والتلفزيون والمسرح والإذاعة وساحات التواصل في الشبكة العنكبوتية كل تلك أوعية من شأنها أن تنقل المعلومات والآراء والبحوث والخبرات. والتواجد العربي في كل تلك الأوعية تواجد فاعل سواء على سبيل التلقي أو على سبيل الإنتاج.
وبعد.. فلا بأس إن وقع الجور في الحكم على أمة ما من غيرها؛ فالإنسان مجبول على التنافس وحب الذات، وقد يزدري منافسٌ منافسه، لكن ما لا يستطيع العقل تقبله هو ايذاء المرء لنفسه، وصفعه لها بسياط الزور، وكم قسا العرب على أنفسهم حين روجوا لتلك الإدعاءات وتعاملوا معها على أنها مسلمات لا تقبل الشك.
فكفى جلدًا لذاتك أيها العربي فإنما أمتك أمة كباقي الأمم ساهمت ومازالت تسهم في بناء الحضارة الإنسانية سواء على مستوى الأفراد أو على مستوى الجماعات.










التعليقات 4
إنتقل إلى نموذج التعليقات ↓
ام عبدالله
08/08/2017 في 1:06 ص[3] رابط التعليق
أعجبني
ام عبدالله
08/08/2017 في 1:07 ص[3] رابط التعليق
👍👍
مشاري
08/08/2017 في 8:40 ص[3] رابط التعليق
لا فض فوك أستاذ يوسف
نعم فقد جلدنا ذاتنا حتى أصبحنا لا نعي مانقول ، وللمعلومية أغلب ما توصل له علماء الغرب الحاضر من تطورات في شتى العلوم العلمية والنظرية كانت لها قاعدة أساسية من قبل علماء عرب منذ قديم الزمان .
واحد مطلع
16/08/2017 في 2:54 ص[3] رابط التعليق
مقال في قمة الروعة سلمت اناملك